أروى وإثراء المحتوى

لو أن لي حبرًا من عسجد ربما كنت قد غمست ريشتي فيه لأسطر هذه الكلمات إعجابًا وتقديرًا بالسيدة الجميلة التي تعتبر أنموذجًا يا حبذا الاقتداء به.

لعلي مثل غيري عرفت أروى العمراني بعد الحادثة الأليمة التي مرت بها. ولعلي تابعتها بغير اهتمام بجديدها في الوقت الذي لم تكن اطروحاتها تقع ضمن دائرة اهتماماتي التي لم تكن تتعدى الجامعة و أراسيل.

ولربما كان زهدي في متابعتها ظنا مني أنها اكتسبت شهرتها من شهرة والدتها كحال كثير من مشاهير الإعلام اليوم.
لكني رأيت في أروى شخصية مستقلة تماما، بَنَت نفسها بنفسها وتفردت في ظهورها، وذلك لما شاء الله أن تتسع دائرة اهتماماتي لتشمل منزلا وأسرة، وأصبحت ربة المنزل التي تبحث عن حلول جديدة ومبتكرة آبيةً بذلك أن أكون نسخة من أمي عن جدتي. ثم رأيت أني أحمل الكثير من الأفكار والأسئلة، وأتعجب لما أجد الأجوبة لدى أروى دون الحاجة لأن أطرح عليها الأسئلة مباشرة!

فكم هو شعور جميل لما تختصر علي أروى المسافات وتكفيني هم السؤال أو البحث بمجرد  تشغيل السناب شات -وعلى قلة ما أفتحه- فأجدها تشرح ما أنا بحاجة إليه.

وعلى الرغم من أن لأروى شبيهات كثيرات في وسائل التواصل، أرى أروى من بينهن نجمة لها شعاع منبثق يخطف الأنظار؛ فأروى تتفوق عليهن جميعا في نقطة شديدة الأهمية
وهي أنها لها مدونة، ومدونتها تقدم إثراء كبيرا في المحتوى العربي على الشبكة.

إننا لنشعر بالأسى لما نبحث باللغة العربية فلا نجد محتوى موثوقًا ومفهومًا ونضيع أوقاتنا بين الصفحات في البحث عن معلومة كاملة ومفيدة.
في حين أننا لو بحثنا باللغة الانجليزية نجد المعلومة سريعا، نجدها مختصرة أو مفصلة، في مقال أو صورة أو فيديو. شيء مبهر حقيقة، ويشعرنا بالغيرة والغبطة.

أرمق مدونة أروى بعين الإعجاب لما أرى تدويناتها تخرج لي في أولى نتائج البحث وأجد تدويناتها شاملة وتجيب على جميع الاستفسارات.
فهي لا تُشكر فحسب على أنها تثري المحتوى العربي في الموضوع بل لأنها تجعله شاملا موفرة بذلك علينا عناء البحث عن جميع الإجابات في فوضى المنتديات أو المواقع المزحومة بالإعلانات.

ثقافة التدوين في المدونات للأسف ليست منتشرة لدينا نحن العرب، ولا ندرك أهميتها، فأنا شخصيا على مر السنوات كنت أظن أن المدونات تهم الأدباء والكتّاب أكثر من غيرهم!
لكنني اليوم أدرك أننا نحتاج المدونات في كل شيء، نحتاجها في كل المواضيع، نحتاج أن تكون هنالك صفحات على الانترنت مفهرسة ومصنفة يستطيع الجميع الوصول إليها.

فإننا لا نفتقد إلى التدوين، بل إلى المدونات.. الكثير اليوم يدونون لكن في غير الأماكن الصحيحة للتدوين.
يدونون على الانستقرام؟ على التلقرام؟ يدونون حتى في ال ask !
هَم البعض منهم التدوين في مكان بسيط، في متناول الجميع، سريع الانتشار،

لكنهم لا يدركون أن معلوماتهم للأسف مع مضي الأيام تطوى ويصعب إلتقاطها والرجوع إليها من جديد، ولا تصل إليها محركات البحث بشكل سليم.
فيا خسارة للجهود التي تبذل ولا تفيد إلا بشكل قليل.

أتمنى أن يقتدي الجميع بأروى فأروى بالنسبة لي مرجع، ومدونتها تسهل علي مشاركة المعلومات مع الصديقات في كل وقت وحين.

سماجة جلطتني

image

تغريدة استفزتني وأثارت ما بداخلي حتى قررت أن أنصرف عن دروسي وأسجل هذه الملاحظة..

لماذا دائما يصور الأب في المجتمع الخليجي على أنه لا يجيد إلا الصراخ وحمل العصا وبالمثل الأم أيضا لا تجيد إلا أن تكون صاحبة طلبات من البنات والصبيان مع شتيمة لابد أن تطلقها؟

هل آباؤنا معروفون بالجفاف إلى هذه الدرجة أم أننا جيل لا يجيد إلا المشاكل وإغضاب الوالدين لدرجة أن صارت الشتيمة عالقة بنا؟

تجولت في حسابات الانستقرام لمواقف يرويها أصحابها وأخرى لمقالب من النوع التي تقول أكتب لأبوك أو أمك في الواتس أب كذا وصور ردت الفعل..

فلاحظت تكرر ردود الأفعال واستخدام كلمات مثل: انجلدت، روح البقالة، غسلي الصحون..

ومن شدة تكررها حتى صار عندي اعتقاد أقرب إلى اليقين أنها مبالغات وتأليف وتمثيل لإضحاك الناس وزيادة المتابعين..

أنا أبدا لا أرى أنه من الارتقاء أن نصور مجتمعنا كمجتمع جاف المشاعر، منعدم الحوار، غليظ في التعامل، بذيء الألفاظ وإن كان ثمة من ذلك فيه فهو نوع من جلد الذات وإحباطها والتعميم .. بل هو أيضا كشف لستر البيوت وستر الذات..
فأنت يا صاحب القصة الذي ذكرت في آخرها أنك تلقيت أنواع الجلد بل ربما صورت لنا صورة من التعذيب أفضع مع علمي بمبالغتك في تصوير الموقف، كان بإمكانك أن تكتفي بالقصة دون أن تذكر ما حصل بعد ذلك ..

وأنت يا مؤلف النكته السامجة هذه أهنت مجتمعا وألبسته ما ليس فيه بعد أن أهنت نفسك وشوهت صورة أبوك ولا أظن عاقلا يفعل ذلك..

ثم ألم يسعك أن توصل الفكرة الفاشلة هذه دون أن تستخدم شتيمة؟ أرى تساهلا كبيرا في هذا الموضوع من قبل الشباب الذي يتنافسون في النكت لتبدوا كل واحدة أقوى من الأخرى..  ففي الحين الذي يسعى آباءٌ ومعلمون على تقويم أخلاق مجتمع، فيعلمون أبناؤهم أن هذه الكلمات لا تصدر إلا من أشخاص غير متربين.. يأت أصحاب هذه النكت ورواه القصص فيصورون أن الآباء هم الذين هم النموذج والقدوة ومصدر التربية هم بشكل عام من يستخدم هذه الألفاظ!!

أنا أعتقد أنها إساءة يسيء بها ابنٌ أباه أن يخبر الناس أن أباه كان يشتم

وأقول كلمة أخيرة: هب أنك شخص من بلد/مجتمع/ثقافة أخرى، ما هي الصورة التي ترسمها في مخيلتك عن مجتمع جله يصف نفسه بهذه الطريقة؟ وثم كيف سيكون احترامك له؟

ثرثرة

مضيت بين أروقة المدونات أتصفح هذه وأرى تلك وينتابني حنين وشوق كبير، أكتب هذه الكلمات الآن كطفل يمسك القلم لأول مرة يسطر حرفا فآخر ويحاول أن يكتب كل حرف بأكثر ما لديه من إتقان..
لا موضوع عندي في هذه التدوينة غير أني أحببت أن أثرثر هنا..
توقفت عن التدوين عندما لم أشعر أن ثمة شيء في حياتي يستحق التدوين، أو ربما لا خلجات في قلبي تحثني على استخراجها.. والحقيقة أن ثمة أشياء كثيرة مررت بها كتجارب وإنجازات ومشاعر لكن لم أفكر البته أنه يمكن تدوينها!
كنت أترقب فحسب ذلك الشعور الذي ينتابني كنشوة أقول فيها نعم هذا شيء يستحق التدوين! والحقيقة أن هذا الشعور ما كان ليأتي وأنا أضع التدوين على حافة النسيان .. وحتى إن أتى أطويه مع سجلات التأجيل حتى تخمد الهمة..
أحب التدوين والكتابة ككل، فهي دوما تنقح تفكيري وترتب أفكاري..وتجعلني أرى الأمور بجوانب أخرى، وأخرج بعدها إنسانة أكثر إنسانية، مثالية، تفاؤلا وسعادة ..
مررت قبل أيام على إعلان مسابقة للقصة القصيرة.. يا للحماسة فرصة جميلة لتحقيق حلمٍ طالما تمنيته
بدأت عصفًا ذهنيًا، ولكن ما الذي حدث؟ دماغ ضيق الأفق..إنه لا يرى إلا محيطه ..
محيطه؟ ماذا لو كانت القصة أمزج فيها من حياتي فلربما استطعت التعبير وكانت أكثر إبداعا.. أمسكت بالقلم في محاولة تسطير أهم السمات في شخصيتي، أو مراحل، أو ذكريات، أو الإنجازات في حياتي..
أتذكر قبل عام فعلت هذا الشيء نفسه! وكان التدوين إحدى السمات .. بل إنني شرعت مستلهمة من هذه السمة في كتابة قصة بل قصتين ووضعتهما في مجلد بعنوان كتابات قيد الإنشاء.. وما زالت قيد الإنشاء إلى يومي هذا..
فتحتهما علني استلهم منهما، حاولت تسطير حرف في استكمال إحداهما ولكن هيهات، كيف ترضى عني الحروف وأنا التي جفوتها منذ زمن؟
الحل في القراءة، إنها هي التي توسع المدارك وتحث الخيال وتنقلنا إلى عوالم أخرى فتقوى حروفنا.. إنني أدرك ذلك منذ زمن، ولكن بطيئة في التنفيذ..
مسحت الغبار عن الكتب وأنا أعيدها إلى المكتبة واحد تلو الآخر بعد أن أفرغتها عند صيانة غرفتي.. وتقع عيناي على المجموعات الكثيرة من كتب القصص القصيرة التي لم أدخر مالا ولم يعتريني أسف على اقتنائها .. بل إنني كنت مسرورة أنني فزت بالحصول على آخر النسخ المطبوعة منها (إصدارات وهج الحياة)
إنني أعلم يقينا أن هذه القصص قد لا تكون جميعها بالمستوى الذي يصل إلى كبار الكتّاب، ولكني أرى فيها دافعًا ودفئا عندما أتذكر أن كاتباتها كنّ في نفس عمري اليوم لما كتبنّها ..
من بين الرفوف اخترت رواية أقرؤها وقد عزفت عن الروايات لزمن طويل؛ فأنا أرى أن قراءتها مشروع يحتاج إلى دراسة لأنها سوف تسرقني من الواقع والدراسة..
أمسكت بالرواية وهممت بقرائتها.. وكانت تتصف بالسلاسة..فلما انهيتها وأنا أقلب آخر صفحة منها قلت لنفسي: ما ضرني لو يومًا كتبت مثلها؟
الكتابة فن وتحتاج إلى عناية ولكن عزيزتي نفسي، هي ليست بالصعوبة التي تتصورينها .. فقط ضعي لنفسك هدف ..
الآن ما الفائدة التي جنيت من هذه الثرثرة؟
كنت بحاجة حقا إليها.. لأنني..لأنني بمجرد الشروع فيها أفكار لتدوينات مفيدة خطرت على ذهني .. !
يا ترى هل ستتشكل فصولها أم تضمحل؟

مذكرات سائحة (9) | نهاية العالم

٢٠١٤٠٨٢٦_١٠٣٠٠٢

المذكرة الأخيرة… نهاية العالم

قبل أن تقرأ: وأنت تستدعي الخيال ليلتمس الصور.. افتح قلبك ليتأمل المعاني والعبر..

تابع لمذكرات سائحة (8)

وجهنا وجوهنا نحو الطريق إلى “نهاية العالم”، وأدرنا ظهورنا عن كل المخاوف متحدين الغموض والمشقة التي نتوقعها. المعلومة الوحيدة التي نعرفها عن هذه الرحلة أننا سنمشي مسافة 4 كيلومترات وهي معلومة تبين لاحقا أنها غير دقيقة.

بدأنا من نقطة البداية وحيث يبدأ الناس..طريق مستقيم شق للسير وعلى ضفتيه حشائش كثيرة خضراء مصفر لونها..كأننا نسير في سافانا أفريقية..
صعدنا منحدرا عبّدوه بالصخور، وانقطت أنفاسنا ونحن نقطعه، ونقول “أمن البداية تعبنا؟!”

سار بنا الطريق لنصعد جسرا من تحته جدول ماء ضخم الذي ما  إن سمعت خرير ماءه تراقص قلبي طربانا..
واستوقفت أبي “لحظة أصور!” فيقول”مه، عمرك ما شفتِ ماء؟!”

ثم وصلنا إلى متفرق طرق.. فإذا بلوحة تشير إلى اتجاه اليمين وتقول “نهاية العالم من هنا” وأخرى إلى الشمال وتقول “نهاية العالم من هنا” فكل الطرق تؤدي ولا فرق جلي بالمسافة.
وعلى أن الطريق الأيمن يبدو أكثر سهولة فهو كما يبدو أرض مستوية سهلة، سلكنا الشمال خوضا مع الخائضين واقتفاء بالسابقين..لنرى أنفسنا على بعد أميال أمام غابة نوشك على اختراقها كما يخترق ركاب الطائرة السحابة.

ولجناها فإذا هي ظلال وارفة، وأشجار على جنب الطريق من شدة كثافتها لا تتسع لنا مساحة بينها، وإذا رفعنا بصرنا نرى جذوعها تحاول أن تتعلق بالسماء، وعليها آثار الوهن والكبر، كل منها يصور وجها لمخلوق عجوز أو فزاعة..
وهنا بدأ الطريق يعلن ثورته على قاطعيه، ويبرز أسنان رخامية تناهت ألوانها من الجمال ونحن نسير عليها بحذر لأن لا تكسر عظامنا أثر الانزلاق.
ونسمع أصوات همس تستوقفنا كأنها مقطوعة شُغلت على شرف وصولنا، نصغي إليها وعيوننا تتفحص مصدرها، لا ندري أهو عصفور خجول أراد أن يؤنسنا أم حشرات تسكن الأشجار.

وبعد السير الطويل الفتان قرابة الثلاثة كيلومترات في الغابة إلى حيث لا نعرف رأينا نورًا ينبثق من أمامنا فانشرحت صدورنا كمثل سائر في نفق مظلم، ورأى شعاع النور يبشره باقتراب الفرج..

وصلنا إلى نهاية العالم(الصغرى)، أرض مستوية على حافة جبل زاوية انحداره تسعون، تطل على مشهد مذهل، قمم جبال ومن خلفها جبال أخرى لكنها تختلف لكونها بيضاء تشكلت من السحب ومن الأسفل نهر أو مجموعة بحيرات رسمتها في مخيلتي كبحيرات سرية ما اكتشفها الإنسان حتى صعد هذا الجبل..

مشهد مدهش، ولكن يحرك فيك مشاعر الرعب بأن لا تستبعد أن نكون نهايتك هنا، هنا قد تقضي نحبك كما آخرون زاروا المكان من قبل..

أخذت زاوية أصور منها وأنا مطمئنة ومسرورة، بيني وبين الحافة نباتات كثيفة لكن أبي كان متوترا حذرا ويقول: “احذري المكان أضيق مما تتصورين وأخطر، هذه النباتات خداعة تظهر كأنها نابتة في مستوى وقوفنا وهي في الحقيقة على حافة الجرف. أي زلة من قدم أو سرحان تهلكك”.

أكملنا طريقنا متبعين لوحة تشير إلى نهاية العالم (الكبرى) وبعد أن قطعنا مسافة سير لم تكن بالكبيرة مقارنة بما قطعنا من قبل، وصلنا  فإذا هي نفس المشهد..

أخبرونا لاحقا أنه على حظنا قد تبددت الغيوم التي كان من المفترض أن نراها تغطي المشهد في الأسفل كما يفعل بساط القطن، بحيث تنقطع عيوننا عن رؤية شيء غير السحب ولهذا سميت بنهاية العالم..

هل نحن الآن نسلك طريق العودة؟ يبدو طريقا مستقيما..سرنا عليه ولا أشجار تضللنا والأرض مستوية. تبين لنا أننا ندور في دائرة مع عقارب الساعة، فالطريق التي نعود منه الآن هو نفسه الطريق الأيمن عند متفرق الطرق.

ما زلنا نقطع الدرب قطعا، بلا جديد أو مثير حتى سمعنا صوت الماء! من أين هو يا ترى، أخذنا نطلق أبصارنا حتى رأينا شلالا متواريا خلف التلال.. شلال كبير ينضخ الماء ضخا..

قال أبي: ننزل الشلال ونجلس نستريح.
قلت: ونعم الرأي.
وصلنا قريبا من الشلال وأخذنا طريقا فرعيا من المسار الرئيسي، ولم يكن واضح المعالم ومعبدا كما يجب، حتى انتهى بنا إلى ماء راكد.
فأين الشلال! لا طريق إليه..
أخذت أفكر مع أبي بمخنا العربي الذي إذا خطرت له فكرة تحتم عليه تحقيقها، غير آبهين بالقوانين، والطرقات المرسومة.
فتوصلنا لنفس النتيجة معنا، نعود إلى المسار الرئيسي نمشي بعض المترات إلى الأمام ثم ننعطف من جديد ونمشي بين النباتات حتى نصل إلى الشلال.
وكانت مجازفة بحق ونحن نرى أقدامنا قد غاضت في الحشائش وغطت من طولها سيقاننا، فلو أفعى في المكان للدغتنا..ولكن الغريب أننا لم نشعر حتى بالحشرات من هذا المكان، كأن لا حياة..

أدركنا أن من العقل العدل عن هذه الفكرة، فقد بدت أصعب وأخطر مما تبدو والجلوس على قارعة الطريق يؤدي الغرض ويضمن السلامة.

وبعد أن ارتحنا أكملنا مسيرنا وكنا نظن أن لا مزيد من المفاجأت !

على نحو نصف كيلو أو ربما كيلو..
سمعنا صوت الماء مجددا..
هذه المرة شلال ضخم، جميل للغاية.. ونقول سبحان الله، كيف يكون في منظر الماء وصوته ارتواء للروح حتى وإن كانت لم تستقي منه.

يتمالكنا العطش، ونعلم أننا لن نشرب منه، ولكنها كما المشاعر فطرية في الإنسان إذا رأى الماء شعر بالابتهاج والفرج..

بدأت الشمس بالارتفاع وهنا بدأت أشعر بمعنى السفر..وتدور في ذهني متأملات كثيرة ..إنني الآن أسير في طريق مستقيم، إن حذوت عنه ربما هلكت.. وإن ارتحت ما وصلت، وفوقي شمس وأنا عطشى والطريق ما زالت طويلة ..

ما زلنا نسير حتى إذا وصلنا غابة لا نعلم أين الطريق فيها! لا تبدو فيها آثار تهيئة طريق ولا حتى لوحات، اجتهدنا بأن ننزل تحت جذع أو بين ساقين متقاربتين -لا أذكر-، ومن ثمة وجدنا الطريق.

كان في منتصفه رجل صيني بدين جالس، قد بدت عليه آثار الهلاكة.  سأله أبي عن حاله وهو يظن أننا نسأله الطريق فهو لا يجيد الإنجليزية
أشار يمينه فقال out وأشر أمامه ثم أصدر من فمه أصواتا مضحكة يقصد بها شلالا!

قال أبي تنزلين؟ وكنت قد بلغت من الأعياء مبلغه، ورأيت الطريق فإذا هو طين وجذوع أشجار.
قلت: لا، أشعر أن قدماي لا تتحمل أكثر.
فصحيح منظر خلاب وفرصة لا تعوض، ولكن ..

مشينا في طريق الخروج وانتهى بنا إلى مكان للنزول..
قال أبي مهلا يستحيل أن يكون هذا هو الطريق فإن علينا أن نصعد لا أن ننزل!
تلفت حولي فإذا بي أجد لوحة خلفنا مباشرة مكتوب عليها  طريق الخروج من هنا (أي من الخلف)،  وقد تبقى كيلو متر واحد على الوصول!.. ما أقله..

وكتب أيضا أن الطريق السفلي السابق يؤدي إلى الشلال. وهو الطريق الرسمي لا ذلك الذي أشار إليه الصيني. قال أبي: “دعينا نتحامل على أنفسنا ونرى الشلال فهي فرصة واحدة في العمر”.

نزلنا وكان الحمدلله سلما رصينا مريحا، ليس كما ذلك الطريق.

أما الشلال فهو منظر يأسر القلب والعقل. ماء مهول يتدفق من جبل بسرعة شديدة وكبيرة جدا جدا..وإذا نظرت في زاوية معينة، أرى قوس المطر يظهر أسفله، هذا وغير جمال الأشجار التي نمت قريبة منه.

ما إذا تأملت في الأعلى، أرى شريطا من الرذاذ المتتابع يشق طريقا مستقيما صاعدا من الأسفل نحو الأعلى، ظاهرة عجيبة ما عرفت لها تحليل..

هذا المنظر بمثابة المفاجأة الأخيرة قبل العودة، هكذا كنا نظن!
بيد أن الطريق ما زال يخفي لنا مفاجأت..

كنا نتلذذ بالمناظر الخضراء على مد البصر والطريق المستقيم على ضفتيه حشائش ومن بينها وبصورة منظمة ومرتبة شجيرات عجيبة شديد الاخضرار..ونحن ليس يشغلنا إلا هم الوصول، فجأة تعترض عيوننا صورة لسد ويتدفق منه الماء.. يااه مفاجأة جديدة! منظر خلاب ما أروعه،
كل المناظر التي شاهدناها لها جمال مختلف، وهذا له هيبة وانطباع في النفس يعكس راحة.. تأملناه حتى ترتسخ صورته في عيوننا ثم أكملنا الطريق..

في الطريق نرى أفواج من الناس تسير عكس اتجاه سيرنا.. هم يبدؤون رحلتهم الآن من هذا الطريق، ونحن ننهيه من هنا..
شاهدنا عائلة إنجليزية، أب وأم تحمل طفلا رضيعا مستخدمة حمالة، وطفلين توأمين أو ربما بينهما من العمر سنة.

يا إلهي! ماذا جاء بهم إلى هنا، المكان خطر جدا.. قلت لها: “خذي حذرك جيدا”.. فشكرتني وأكملت الطريق..
ندمت أنني لم أثني رغبتها في المسير وأقول لها عودي مع أطفالكِ من حيث أتيت..

وشاهدنا أيضا عائلة سعودية مع أم كبيرة لهم.. قال لهم أبي لا تكملوا حرام تتعبون الوالدة.. حدكم الشلال الضخم ثم عودوا أدراجكم هذا يغنيكم عن المواصلة..شكرونا ولم يكترثوا لجدية ما نقول..

بدأت تظهر على الطريق مظاهر تدخل الإنسان، الطريق معبد أكثر، ومقاعد من الحجر للراحة، شعرت هنا بالارتياح، كأننا صرنا أقرب للمجتمع، أقرب للبشر من بعد الانقطاع، مثل المسافر في الصحراء وحيدا ثم يجد قبيلة مستوطنة.

أصبحنا نرمق بوابة الخروج من بعيد، وكل منانا أن نصلها، يا هل ترى هل سنصل! هل سنفعلها! هل حقا انتهت الرحلة!

تقطعت أنفاسي، تضخمت دقات قلبي، أكاد لا أستطيع الاحتمال أكثر، فجأة ظهر علي الهلاك، لست متأكدة أن قدماي قادرة على الوصول إلى بوابة الخروج..

لما وصلت حمدت ربي..وأخذت أبحث عن أي شيء أتمسك به، أردت أن أهوي إلى الأرض وأمد رجلي في أي مكان ولو في الطريق..

هيهات، ليس بعد، المسيرة لم تنتهي !
ما زلنا نحتاج أن نمشي مسافة حتى نصل إلى السيارة، وعلينا أن نجد سيارتنا من بين مجموعات من السيارات.. ولا وسيلة تواصل بيننا وبين السائق..

رآنا السائق من بعيد ولوح لنا، وركبنا السيارة وفي طريق العودة نسأله كم إجمالا مشينا؟ قال 9 كيلومترات ..

 

عدنا بالسلامة وانتهت أحداث المغامرة..ولكن خواطر القلب ما هدأت ولعل لها تدوينة مستقلة..

*هذه الرحلة لم تكتب على سبيل الذكريات فحسب، بل في بطنها علامات ومواعظ حاول استنباطها..اترك تعليقا يكشف لنا ما توارد من خواطرك..

 

 

فلتبقي نبضة في صدر هذا الكون ~ (3)

 

تجول في خاطري كلمات في ذكرى المكالمة الأخيرة، لكم حننت إلى صوتك الرخيم وشدكِ على يدي..

ما زلت أكتب إليك بعد سلسلة من الرسائل، ختمت آخرها أن ثمة حديث سيكون، ولكني ابتلعته من غير مبرر..!

انسدل فستانك الأبيض مثل بياض قلبك، بل أن قلبك أجمل.
في عينيك نظرة الحياء وابتسامتك ابتسامة السعداء والوجه إلى الأسفل من شدة الخجل.

وأنا وصاحبتي نكحل عيوننا نبصرك.. أنا أراكِ لأول مرة بعد تلك السنين الكثيرة .. وهي لأول مرة في العمر ..

ولم تكن بيننا قبل ذاك عدا رسائل الأوفياء والمكالمات..وصورتك نرسمها في الخيال..
حضور كلتينا زفافك تيسير من المولى القدير ونعمة.. وذكرى لا تنسى وهي من أجمل الأيام..

يومها ألقيت على مسمعكِ:

هي الأكوان عامرة رباها
بحب لا يحد ولا يعكر

فتحفظنا لفرحتنا بذكرى
تضوَّع صفوها مسكًا وعنبر

دعوا الأيام تحكي عن سناها
دعوها في بحار الأنس تبحر

عروس قد تسامت في بهاها
حروف الشعر زاهية تسطر

تبارك بالسما ربا حباها
فؤادا صافيا رحبا مطهر

عروس من محبتنا أتينا
تهانينا لها بالسعد تزهر

إله الكون بلغها رجاها
وهبها الخير والعيش المنور

أحب اسمك لما أراه، تنمو على حروفه الأزهار، لا نقطفها بل تهدى إلينا من يديك الفاتنة. لتحلق فراشات قلوبنا سعيدة في روض جميل يجمعنا..

أحب فضلكِ علينا..يا معلمتي..
وأفتقد شدتكِ وتلك الكلمات التي تصب في أذني صبًا لتجعلني أوقظ همتي وأصحح نيتي..

المكالمة الأخيرة.. علمت أن بعدها ستكون أشواقنا كبيرة..
المكالمة الأخيرة..علمت أن بعدها حرمان وفقد..
المكالمة الأخيرة..قلق ومشاعر ترقب..

يا رب اكتب لحبيبة قلوبنا لطفًا ورفقًا وانشراحًا وتيسيرًا وسعادة دائمة

في ظلال #رحلتي_إلى_النور

image

قلت:
في الجنة سأسأله عن تتمة الحكاية، عن كل المشاعر التي خطفه الموت قبل أن يدونها.

ثم قلت: هل تراني سأطلب في الجنة حديثًا من الحزن؟ أم أن الحكاية حينها ستكون على سبيل التسلية ونضحك على تلك المواجع!

لقد أبدله الله خيرا لابد، فقد ذاق من الابتلاء ما قد ذاق. وهذا دأبُنا أن نحسن الظن.

تساءلت في نفسي لما لم يُتَداول اسمه بيننا كثيرًا -نحن الجيل الجديد- وقد كان ذا همة وسلك طريقًا يجعله في الصدارة؟
لم أكن بكامل الاستيعاب لما قرأت “يرحمه الله” على غلاف الكتاب، أنها تعني وفاته في ريعان الشباب!

كم تطرق للأموات من مرة؟ وعلى أن ذكر البعض منهم ما كان مستدعي ولا يزيد الحكاية حبكة..
هل يا ترى كان يشعر؟ يذكر نفسه؟ يذكرنا بالأجل الآتي لا محاله؟

ما سبب إلغائه فكرة أن يدون حياته في ثلاث روايات منفصلة واقتصاره على رواية واحدة مع قفزات كبيرة بين المراحل والأزمنة؟ ليرويها بعد أن بدأها بتسلسل، بمجرد الأحداث التي تخطر على ذاكرته أو التي استدعت الحاجة إليها، وكأنه يسابق الزمن، يحاول أن يغطي من كل مرحلة أهم أحداثها التي حصلت.

أليس في هذا درس يعلمنا إياه بعد أن ترك النهاية مفتوحة، أن الحياة قد تكون أقصر من زمن تدوينها؟
وأن أعمارنا قد لا تبلغ زمن حددناه لعمل أجلناه.. !

فلنغتم قبل أن نفارق..

تعرفنا على شخصيته، وهو لم يكن شخصًا مثاليا ولم يكن يحاول الظهور بذلك
لكنه كان يظهر محاولته في المحافظة على طهارة قلبه وإخلاصه فيما هو مقدم عليه وعلو همته.

لكم تساءلت في بداية الحكاية عن جديته فيما يحكي؟!، لقد غامر مغامرة أيما مغامرة، بل جازف مجازفة أيما مجازفة بل تصرفَ بطيش ولم أوافقه أبدًا فيما فعل ولا فيما برر..

تسلسلت الأحداث الأولى ببعض الملل، لأننا نقرأ الكتاب وننتظر الوجبة الدسمة منه التي لأجلها نقرأ له.. وهي أن يشرع بالحكي لنا عن حياة شخص آخر!..
كنا نقتل الملل بترقب نقطة الالتقاء بينهما..
وحينما حانت اللحظة، اشتد التشويق ودخل الصراع في الموضوع صرنا نندمج مع شخصيته هو أكثر ويهمنا أمره..

ثم خضع لرغبتنا بأن يسلط الضوء على ذلك الشخص أكثر فأكثر والذي عرفناه وأحببناه لكننا لم نعرف تفاصيل حياته، ولا كيفية معاشه..فصار يحكي لنا من القصص والمواقف التي معها تلألأت عيوننا إعجابًا وغبطة ..وازداد حبنا له وكَبُر..

ولما فرغ من ذلك وعاد يروي عن حياته الشخصية التي ليس لها صلة بمطلبنا أتمننا القراءة تعطفا وتكرمًا فقد صار صاحبنا الذي بيننا وبينه فضل، ولقد أبكانا أيما بكاء..

اسمى حكايته
“رحلتي إلى النور”
فيا رب بلغه نوره، واجعل له في قبره نورا..

صاحبنا اطلق على نفسه مالك الرحبي كاسم مستعار في المنتديات آن ذاك.
واسمه الحقيقي مازن الغامدي
سطر بحروفه سيرته في طلب العلم متتلمذا لدى شيخنا العلامة ابن عثيمين -رحمهما الله جميعا ووالديهما-. ولا أرى تتلمذه عند الشيخ إلا فضل من الرحمن وتيسيرًا..فقد كان ابن عثيمين له بمثابة الوالد وأكثر، ولنعم الولد الذي يتربى في كنف هذا الوالد.

تعلمنا من شيخنا ..وأنا أقول تعلمنا كمن عاش وسمع ورأى وياليت كان لي هذا..

تعلمنا معنى أن ينتفع العالِم من علمه، فلم أكن أتوقع أن يعيش إنسان زاهدًا في عصرنا، وعلى رغم مقربته من الأمراء والملوك.

تعلمنا من شيخنا التواضع، وما أجمله من خلق حسن. وهو صاحب نكته، وجده جد.

شيخنا معلم فذ، يجيد تكريم المجتهد وتشجيعه، ويقرب ذا الهمة ومن طرق باب الهمة جادًا يصل بإذن الله للقمة.

استقينا من شيخنا أنه لا ينبغي أن تكون بين المسلمين فجوة (هذا متدين وهذا عاصٍ).. وأن ديننا دين أخُوة ورحمة، عمل بمعروف ونهي عن منكر لا نعين الشياطين على إخواننا.

تعلمنا أن لا نخاف في الله لومة لائم وأن من أساليب الدعوة التدرج والبدء بإصلاح القلوب فإذا كانت جد غافلة ونكسب ودها حتى تتقبل.

شيخنا مثال جميل على من يحرص على الاقتفاء بالسنة والاتباع شبرا بشبر. غير واضعٍ للحدود والقيود كما نفعل -نسأل المولى العافية-.

العلم أمانة في نظر شيخنا، لا يستنكف عن إفتاء الناس ويبذل في ذلك جهده ويرى أن حقهم عليه أهم من حق بدنه عليه.

رغم انشغاله وازدحام مواعيد أعماله لا يترك ورده من القرآن..لا يترك ورده..

يهتم بمواعيده، ويضيق صدره إن اعترض عارض يمنعه من الوصول، ويحترم وقت الدرس وتواجد طلبة العلم فلا يقطعه أو يأجله بسهولة.

شيخنا كان مهتما بالتقنيات الحديثة ولا يتردد في اقتناء ما ينفع العلم منها، وكان حريصا على تسجيل دروسه لتصل وتبلغ من لم يتمكن من حضور مجلسه..وقد آتى ذلك ثمرته..
قلت لصحبي ونحن بين أيدينا القصة نقرأ فيها: إن فرصة التتلمذ على يد ابن عثيمين ما زالت متاحة حتى بعد وفاته!
فهذا موقعه يزخر بالعلم لمن أراد..
قالوا: ليس كمن رافقه ولازمه.

قلت: إذا فات البعض ما فات الكل.

قلت هذا الكلام فلما تابعت القراءة إذا بصاحبنا يحكي عن حجاج من الأمريكان السود أتوا يسلمون على الشيخ في الحج ويقولون نحن تلامذتك وهو يقول: لا أذكر أنكم درستم عندي!
قالوا يا شيخ لقد سمعنا شروحك من الأشرطة في الواسطية وكتاب التوحيد وغيرها فنحن نعتبر أنفسنا تتلمذنا عليك.

رحم الله شيخنا وتلميذه مازن وأسكنهما الجنة..اللهم اجعلهما ممن يرزقون نعمة النظر إلى وجهك الكريم وبلغهما صحبة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.

لتحميل الكتاب

مذكرات سائحة (8) | الطريق إلى نهاية العالم

image

في الكون آيات وعبر، كلما زاد المؤمن فيه تأملا زاد معرفة بحقيقة نفسه واستصغارا للحياة.
بزغ الفجر معلنا يومًا جديدًا، وبينما هي الشمس تتأهب للنهوض، تأهبت أنا وأبي استعدادًا لرحلة يكسوها الغموض إلى ما يدعى “نهاية العالم”
ودعت أمي وبي مشاعر لا أعرفها، ربما كانت مشاعر المودع الذي قد لا يعود!
كان المرشد السياحي بانتظارنا أمام باب الفندق حتى يعرفنا على السائق الذي سوف يمضي بنا في هذه الرحلة.
زودونا أهل الفندق بالإفطار متمنين لنا السلامة وقضاء أمتع الأوقات
مشت فينا السيارة إلى مناطق لم نصلها من قبل بل لم تطأها أيادي العابثين، ورغم جمالها بقت لأهلها لا للسائحين..  مساحات خضراء لا تكثر فيها الأشجار كأنما هي حدائق أوروبية.
أشار السائق إلى يمينه والشمال قائلا:  “هذه مزارعنا” مزارع الخضروات، الفواكه، والأبقار.
رأينا المزارعين أطفال وعجائز يعملون، والأبقار سمان وألوان يرتعون، وعلى مقربة منها مراوح الهواء الضخمة (التوربينات) المخصصة لتوليد الكهرباء.
قطعنا تلك المنطقة لنبدأ صعود جبل زمن ساعة، وكانت هذه الساعة كأنما هي فلم وثائقي حول الطبيعة بالنمط السريع، فما أن نقطع مسافة صعود حتى نرى الأشجار تتبدل بغيرها من الأشجار.في بداية الصعود كانت الأشجار قصيرة متراصة، في منظر خلاب يبعث على الانشراح، ثم بدأت تزداد طولا وضخامة كلما ارتفعنا إلى الأعلى كأنما نحن في عالم الأدغال الذي يثير الفزع ولكنه في ذات الحين يكسو العين جمالا واندهاشا.
توقفت فينا السيارة على حافة الطريق لنرى الشمس من بين الأشجار ترسل أشعتها الباردة خجلة، كمن صحى متأخرا من نومه وصار يتمدد.
جمال الطبيعة وانبهارنا بتنوعها أشغلنا عن التفكير بالطريق الذي كان وعرا وغير آمن بتاتا، يثير الرعب فقد تكون فيه نهايتك..
شارع واحد ذهابا وإيابا يتسع لسيارة واحدة فقط، غير معبّد بالتمام، منحدرات شديدة جدا، والجرف أسفل منا..
أوقف الرجل السيارة في الطريق وقد كانت هنالك آثار لزجاج متحطم وصحف متناثرة على حافته أشار وقال:
“هنا قبل يومين سقطت سيارة”
قالها ويبدو أن هذا أمر قد تم الاعتياد عليه، موقنا أنه قد يلاقي يوما نفس النهاية..
وصلنا إلى ما يدعى بالحديقة، وهي قمة الجبل..
نزلنا من السيارة لشراء التذاكر وكان البرد يقرص الجسم قرصا.
دخلنا الحديقة بالسيارة فإذا الطبيعة مختلفة تماما تماما عن سابقتها وكأننا فجأة انتقلنا إلى بلد آخر، ربما سافانا أفريقيا..
كانت الأرض حشائش طويلة باهته، يغلب عليها الاصفرار، كما أن الحياة تبدو معدومة حتى من الحشرات (هكذا تهيأ لي). يكسر هذا النمط من الافتقار، غابات بعيدة كانت بمثابة علب الأسرار التي لم نفكر أنه من الممكن بإقحام أنفسنا فيها..
لا يفصلنا عن الشمس حجاب، فالسماء تبدو صافية تماما يُرى لونها الأزرق لا يخالطه بياض السحاب إلا من القليل جدا، وتبدو الشمس قريبة جدا..
 والأدهش من هذا أن نرى على مد البصر قمم جبال موازية لنا ومن خلفها جبال بيض من السحب أي أننا الآن على مستواها أو أعلى منها.
وقفت السيارة في نقطة معينة، وقال السائق: “هنا سأنتظركم، ومن هناك تبدؤون رحلتكم”.
طلبنا منه رقم هاتفه حتى نعلمه عند رجوعنا فقال: “لستم بحاجة إليه، لأن المنطقة هنا خاليةٌ تماما من الإرسال!”
ـــ
الطريق إلى قمة الجبل يشبه شريط حياة الإنسان،
فتلك المزارع الخضراء المرتبة الهادئة التي لا تعرف إلا السلام كما هو حال الطفل إذ ينشأ..
ثم إذا هو كبر متمتعا بالفتوه تبدأ تضاريس الحياة تظهر عليه كظهور الشجر ويباشرها هو بنشاطه.
ثم إذا هو يزداد بلوغا وفي الحياة رسوخا، تتزاحم عليه المشاغل بأنواعها كزحام الشجر وتنوعها وتتضخم همومه كتضخمها ويصبح طريقه محفوفا بالفتن التي إن لم ينجو منها سقط من أعلى الجرف هاويا.
ولأن المؤمن بطبيعة حاله لا يجزع، يواصل مسيره صابرا محتسبا مستمدا من النور الإلهي العظيم الذي به ينشرح صدره ويتيسر له أمره..
ثم يحين يومه الذي قد يفاجئه فتنقطع عنه همومه وتنتهي أيام الكد والركض خلف رزق العيش إذ قد انقضت حياته وصار في العالم الذي كان مجهولا ينتظر مصيره، فهنالك حيث ينقطع وتلغى جميع الاتصالات بينه وبين الأحياء من أهله.

 

#موعظة_الاختبارات

 

wpid-img_٢٠١٤١٢٢٩_٠١٢٦٥٦.jpg.jpeg

 

المقيم في عالم التواصل الاجتماعي قد يعيش في الفترة الراهنة تغيرا في الأجواء العامة.

فالطيور المغردة، والمعتكفون على كتاب الوجوه والمندسون في الطرقات، مستغرقون في مناقشة قضية #الاختبارات

أما عن الطائرات الورقية والفقاعات تلك التي تحمل رسائل الأصدقاء قد قلت في الآونة الأخير وانسحب بعض هواتها
وصارت أغلب الرسائل تحمل نصائح أو مراجعات..

فلذلك قررت أن أشارك الأصدقاء جوهم والذي سأعيشه فور انتهائهم وأنشر بعض القصاصات هنا بعنوان #موعظة_الاختبارات

(1)

قال تعالى:
” فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون” سورة العنكبوت, الآية 65

ما أشد شبه الفترة التي نمر فيها بركوب البحر !
البحر سطحه أمواج ورياح، وأعماقه خيرات وأرباح..
واختباراتنا صعوبات وتحديات ومن ثم درجات وشهادات ..

وهي فترة شدة لا ريب، يكثر فيها الطالب من الدعاء سائلا الله التوفيق والسداد..

وبعد أن تمر هذه المرحلة، مؤسف أن منا من ينسى أن يشكر ويولي مدبرا مستكبر..

حري بالمؤمن أن يعرف الله في الرخاء والشدة..
ومن عرف الله في الرخاء عرفه في الشدة…

(2)

كنت في أيام الثانوية قد اشتركت في مسابقة علمية خارج المدرسة، وقد أعدتني المعلمة لذلك. عند باب المدرسة ودعتني متمنية لي التوفيق وما أن أدرت ظهري خارجة نادتني لتلقي على مسمعي موعظة أخيرة:

أكثري الاستغفار إذا استصعبت عليك مسألة فقد قال شيخ الاسلام ابن تيمية:

“والله ما استصعبت علي مسألة فأستغفر الله الفاً او اكثر الا يفتَحُها الله علي”

تركت وصيتها في نفسي الأثر العميق ومازلت أذكرها فيها.

(3)

“أنا بانتظار أن تنتهي الاختبارات حتى انظر في أمور إصلاح نفسي”

من أسوء ما سمعت..وأكذبه..
كيف نجعل الاختبارات ذريعة للتأخر في التوبة ونحن لا نضمن أعمارنا؟
بل إننا بحاجة إلى الاستعانة بالله وتوفيقه خصوصا في هذه الفترة..

الإنسان قادر على أن يضع أكثر من هدف وينشغل بهما في آن واحد..

كم نعاني نحن من تضييع الوقت وتفضيل الراحة وأمور دنيانا على أخرانا..بل نعاني من عقبات وهمية من صنع أنفسنا..

وبالمناسبة، جميع من قالوها انتهت اختباراتهم ودارت عليهم الأيام وإلى الآن ما تغيرت أحوالهم للأصلح..

(4)

ما أتفه اختبارات الدنيا، إنها فقط تحدد مستقبلنا الدنيوي أو قد لا تشكل فرقا.. مع ذلك تهتز أركاننا خوفا وطمعا..

ليت قلوبنا القاسية تلين وتتذكر أنها تعيش اختبارا أكبرا يحدد المستقبل الحقيقي.. مستقبل الخلود..

عجيب أن يكون طموح أحدنا الحصول درجة الامتياز في الدنيا، ولا يكون طموحه من الجنة فردوسها

(5)

الاختبارات تعلمنا الدروس وتهدينا من المواعظ التي تنفعنا في اختبارنا الحقيقي

عندما أدخل على اختبار ويواجهني سؤال متاهة أو يحتاج إلى حل طويل يتسلل إلى داخلي تساؤل..  ماذا لو كان بعد هذا العناء لا شيء؟
لا شيء صحيح وأكون قد سلكت غير ذات الطريق وابتعدت عن الإجابة والنتيجة صفر ..

تقع على لساني مباشرة الآية:
“وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا” الفرقان, الآية 23

هباء منثورا. .
هباء .. منثورا ..

يا الله!  يقشعر الجسد..
أبعد الحياة ولربما طول العمر .. نحشر إليك مفلسين لا شيء لا شيء!

“أتدرون ما المفلِسُ ؟ قالوا : المفلِسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ . فقال : إنَّ المفلسَمن أمَّتي ، يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مالَ هذا ، وسفك دمَ هذا ، وضرب هذا . فيُعطَى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه . فإن فَنِيَتْ حسناتُه ، قبل أن يقضيَ ما عليه ، أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه . ثمَّ طُرِح في النَّارِ” رواه مسلم

ختام:
إياك أن يشغلك مستقبلك الدنيوي عن الأخروي