مذكرات سائحة (8) | الطريق إلى نهاية العالم

 

في الكون آيات وعبر، كلما زاد المؤمن فيه تأملا زاد معرفة بحقيقة نفسه واستصغارا للحياة.
بزغ الفجر معلنا يومًا جديدًا، وبينما هي الشمس تتأهب للنهوض، تأهبت أنا وأبي استعدادًا لرحلة يكسوها الغموض إلى ما يدعى “نهاية العالم”
ودعت أمي وبي مشاعر لا أعرفها، ربما كانت مشاعر المودع الذي قد لا يعود!
كان المرشد السياحي بانتظارنا أمام باب الفندق حتى يعرفنا على السائق الذي سوف يمضي بنا في هذه الرحلة.
زودونا أهل الفندق بالإفطار متمنين لنا السلامة وقضاء أمتع الأوقات
سارت بنا السيارة إلى مناطق لم نصلها من قبل بل لم تطأها أيادي العابثين، ورغم جمالها بقت لأهلها لا للسائحين..  مساحات خضراء لا تكثر فيها الأشجار كأنما هي حدائق أوروبية.
أشار السائق إلى يمينه والشمال قائلا:  “هذه مزارعنا” مزارع الخضروات، الفواكه، والأبقار.
رأينا المزارعين أطفال وعجائز يعملون، والأبقار سمان وألوان يرتعون، وعلى مقربة منها مراوح الهواء الضخمة (التوربينات) المخصصة لتوليد الكهرباء.
قطعنا تلك المنطقة لنبدأ صعود جبل زمن ساعة، وكانت هذه الساعة كأنما هي فلم وثائقي حول الطبيعة بالنمط السريع، فما أن نقطع مسافة صعود حتى نرى الأشجار تتبدل بغيرها من الأشجار. ففي بداية الصعود كانت الأشجار قصيرة متراصة، في منظر خلاب يبعث على الانشراح، ثم بدأت تزداد طولا وضخامة كلما ارتفعنا إلى الأعلى كأنما نحن في عالم الأدغال الذي يثير الفزع ولكنه في ذات الحين يكسو العين جمالا واندهاشا.
توقفت فينا السيارة على حافة الطريق لنرى الشمس من بين الأشجار ترسل أشعتها الباردة خجلة، كمن صحى متأخرا من نومه وصار يتمدد.
جمال الطبيعة وانبهارنا بتنوعها أشغلنا عن التفكير بالطريق الذي كان وعرا وغير آمن بتاتا، يثير الرعب فقد تكون فيه نهايتك..
شارعٌ واحد -ذهابا وإيابا- يتسع لسيارة واحدة فقط، غير معبّد بالتمام، منحدرات شديدة جدا، والجرف أسفل منا..
أوقف الرجل السيارة في الطريق وقد كانت هنالك آثار لزجاج متحطم وصحف متناثرة على حافته أشار وقال:
“هنا قبل يومين سقطت سيارة”
قالها ويبدو أن هذا أمر قد تم الاعتياد عليه، موقنا أنه قد يلاقي يوما حتفه نفس الحكاية..
وصلنا إلى ما يدعى بالحديقة، وهي قمة الجبل..
نزلنا من السيارة لشراء التذاكر وكان البرد يقرص الجسم قرصا.
دخلنا الحديقة بالسيارة فإذا الطبيعة مختلفة تماما تماما عن سابقتها وكأننا فجأة انتقلنا إلى بلد آخر، ربما سافانا أفريقيا..
كانت الأرض حشائش طويلة باهته، يغلب عليها الاصفرار، كما أن الحياة تبدو معدومة حتى من الحشرات (هكذا تهيأ لي). يكسر هذا النمط من الافتقار، غابات بعيدة كانت بمثابة علب الأسرار التي لم نفكر أنه من الممكن بإقحام أنفسنا فيها..
لا يفصلنا عن الشمس حجاب، فالسماء تبدو صافية تماما يُرى لونها الأزرق لا يخالطه بياض السحاب إلا من القليل جدا، وتبدو الشمس قريبة جدا..
 والأدهش من هذا أن نرى على مد البصر قمم جبال موازية لنا ومن خلفها جبال بيضاء شكلتها السحب أي أننا الآن على مستواها أو أعلى منها.
وقفت السيارة في نقطة معينة، وقال السائق: “هنا سأنتظركم، ومن هناك تبدؤون رحلتكم”.
طلبنا منه رقم هاتفه حتى نعلمه عند رجوعنا فقال: “لستم بحاجة إليه، لأن المنطقة هنا خاليةٌ تماما من الإرسال!”
ـــ
الطريق إلى قمة الجبل يشبه شريط حياة الإنسان،
فتلك المزارع الخضراء المرتبة الهادئة التي لا تعرف إلا السلام كما هو حال الطفل إذ ينشأ..
ثم إذ هو كبر متمتعا بالفتوه تبدأ تضاريس الحياة تظهر عليه كظهور الشجر ويباشرها هو بنشاطه.
ثم إذ هو يزداد بلوغا وفي الحياة رسوخا، تتزاحم عليه المشاغل بأنواعها كزحام الشجر وتنوعها وتتضخم همومه كتضخمها ويصبح طريقه محفوفا بالفتن التي إن لم ينجو منها سقط من أعلى الجرف هاويا.
ولأن المؤمن بطبيعة حاله لا يجزع، يواصل مسيره صابرا محتسبا مستمدا من النور الإلهي العظيم الذي به ينشرح صدره ويتيسر له أمره..
ثم يحين يومه الذي قد يفاجئه فتنقطع عنه همومه وتنتهي أيام الكد والركض خلف رزق العيش إذ قد انقضت حياته وصار في العالم الذي كان مجهولا ينتظر مصيره، فهنالك حيث ينقطع وتلغى جميع الاتصالات بينه وبين الأحياء من أهله.

 

تعليق واحد على

  1. وفاء

    لا يحق لك قطع الرحلة هكذا .. ثم ماذا بعد أن لا إرسال في المنطقة ذهبتم وحدكم ، سرتم في القفار ودخلتم الحدائق والغابات ماذا …؟!

    رد

اترك رد