أرشيف الوسم: مذكرات

مذكرات سائحة | الآلام لا تتصل

 

 

أتجول الآن في سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك، وأتذكر السنوات الخوالي التي كنا ننشد فيها ” سراييفو وآهات الثكالى” من يتذكر تلك الحقبة؟ كانت موجعة جدا،
القبور هنا تملأ الأمكنة، وشاهدت منازلا كثيرة مهجورة وعليها آثار طلقات الرصاص.

معالم الحرب قد محيت إلا ما تبقى من آثار تركت كي لا تنسى، ونحن نتجول هنا في سراييفو بحمد الله في سلام وأمان، والسياح منتشرون.

من كان يتخيل في تلك الفترة من الحرب أن تضع الحرب أوزارها ويحل الأمان لدرجة أن تصبح البوسنة عاصمة سياحية؟

الآلام لا تتصل، والأيام دول
وكم قرأنا في التاريخ عن مجازر وحروب، صارت في طيات التاريخ وعمرت الأرض من بعدها
مآسي اليوم حتما حتى سيكون لها حد، وسيأت فتح الله تبصره العيون، نصرا محتما

يا أهل سوريا، يا أهل اليمن، يا أهل العراق، يا فلسطين، يا بورما
صبرا، النصر حتما آتٍ والسلام سيحل

 

كتبت في: 16 أغسطس 2015

مذكرات سائحة | أنت سفيرة الإسلام

 

 

أتعجب كثيرا من فكرة التخفف من الحجاب عند السفر، وتقديم التنازلات كأن الحجاب يفسد متعة السفر، وخاصة عند السفر إلى بلد معروف بمعاداته للإسلام مع تحفظي على فكرة زيارته.

هم يعادون دينكِ، والمسلمون هنالك يحاولون التمسك أكثر ما يستطيعون رغم ما يلحق بهم من أذى، وأنتِ بكل سهولة تأتين إليهم متنازلة! .

في البوسنة والهرسك، جلسنا في مكان هو جنة الله في أرضه شلال يشرح الروح وطبيعة تأسر القلب ومن حولنا منازل سكانها نصارى.

خرجت العجوز من بيتها، كنت أراقبها بلا شعور وهي تراقبنا باندهاش، اقتربت من سور منزلها ثم أشارت لي بكلتا يديها بعلامة الممتاز! 👍

رددت عليها بنفس الإشارة وحييتها.. ثم خرجتْ من المنزل متوجه إلى حيث نجلس وهي سعيدة، حييناها وطلبنا منها الجلوس فإذا بها تشير إلى النقاب وتكرر إبداء إعجابها وتدق الخشب مرارا.

مذكرات سائحة (9) | نهاية العالم

 

المذكرة الأخيرة… نهاية العالم

قبل أن تقرأ: وأنت تستدعي الخيال ليلتمس الصور.. افتح قلبك ليتأمل المعاني والعبر..

تابع لمذكرات سائحة (8)

وجهنا وجوهنا نحو الطريق إلى “نهاية العالم”، وأدرنا ظهورنا عن كل المخاوف متحدين الغموض والمشقة التي نتوقعها. المعلومة الوحيدة التي نعرفها عن هذه الرحلة أننا سنمشي مسافة 4 كيلومترات وهي معلومة تبين لاحقا أنها غير دقيقة.

بدأنا من نقطة البداية وحيث يبدأ الناس..طريق مستقيم شق للسير وعلى ضفتيه حشائش كثيرة خضراء مصفر لونها..كأننا نسير في سافانا أفريقية..
صعدنا منحدرا عبّدوه بالصخور، وانقطت أنفاسنا ونحن نقطعه، ونقول “أمن البداية تعبنا؟!”

سار بنا الطريق لنصعد جسرا من تحته جدول ماء ضخم الذي ما  إن سمعت خرير ماءه تراقص قلبي طربانا..
واستوقفت أبي “لحظة أصور!” فيقول”مه، عمرك ما شفتِ ماء؟!”

ثم وصلنا إلى متفرق طرق.. فإذا بلوحة تشير إلى اتجاه اليمين وتقول “نهاية العالم من هنا” وأخرى إلى الشمال وتقول “نهاية العالم من هنا” فكل الطرق تؤدي ولا فرق جلي بالمسافة.
وعلى أن الطريق الأيمن يبدو أكثر سهولة فهو كما يبدو أرض مستوية سهلة، سلكنا الشمال خوضا مع الخائضين واقتفاء بالسابقين..لنرى أنفسنا على بعد أميال أمام غابة نوشك على اختراقها كما يخترق ركاب الطائرة السحابة.

ولجناها فإذا هي ظلال وارفة، وأشجار على جنب الطريق من شدة كثافتها لا تتسع لنا مساحة بينها، وإذا رفعنا بصرنا نرى جذوعها تحاول أن تتعلق بالسماء، وعليها آثار الوهن والكبر، كل منها يصور وجها لمخلوق عجوز أو فزاعة..
وهنا بدأ الطريق يعلن ثورته على قاطعيه، ويبرز أسنان رخامية تناهت ألوانها من الجمال ونحن نسير عليها بحذر لأن لا تكسر عظامنا أثر الانزلاق.
ونسمع أصوات همس تستوقفنا كأنها مقطوعة شُغلت على شرف وصولنا، نصغي إليها وعيوننا تتفحص مصدرها، لا ندري أهو عصفور خجول أراد أن يؤنسنا أم حشرات تسكن الأشجار.

وبعد السير الطويل الفتان قرابة الثلاثة كيلومترات في الغابة إلى حيث لا نعرف رأينا نورًا ينبثق من أمامنا فانشرحت صدورنا كمثل سائر في نفق مظلم، ورأى شعاع النور يبشره باقتراب الفرج..

وصلنا إلى نهاية العالم(الصغرى)، أرض مستوية على حافة جبل زاوية انحداره تسعون، تطل على مشهد مذهل، قمم جبال ومن خلفها جبال أخرى لكنها تختلف لكونها بيضاء تشكلت من السحب ومن الأسفل نهر أو مجموعة بحيرات رسمتها في مخيلتي كبحيرات سرية ما اكتشفها الإنسان حتى صعد هذا الجبل..

مشهد مدهش، ولكن يحرك فيك مشاعر الرعب بأن لا تستبعد أن نكون نهايتك هنا، هنا قد تقضي نحبك كما آخرون زاروا المكان من قبل..

أخذت زاوية أصور منها وأنا مطمئنة ومسرورة، بيني وبين الحافة نباتات كثيفة لكن أبي كان متوترا حذرا ويقول: “احذري المكان أضيق مما تتصورين وأخطر، هذه النباتات خداعة تظهر كأنها نابتة في مستوى وقوفنا وهي في الحقيقة على حافة الجرف. أي زلة من قدم أو سرحان تهلكك”.

أكملنا طريقنا متبعين لوحة تشير إلى نهاية العالم (الكبرى) وبعد أن قطعنا مسافة سير لم تكن بالكبيرة مقارنة بما قطعنا من قبل، وصلنا  فإذا هي نفس المشهد..

أخبرونا لاحقا أنه على حظنا قد تبددت الغيوم التي كان من المفترض أن نراها تغطي المشهد في الأسفل كما يفعل بساط القطن، بحيث تنقطع عيوننا عن رؤية شيء غير السحب ولهذا سميت بنهاية العالم..

هل نحن الآن نسلك طريق العودة؟ يبدو طريقا مستقيما..سرنا عليه ولا أشجار تضللنا والأرض مستوية. تبين لنا أننا ندور في دائرة مع عقارب الساعة، فالطريق التي نعود منه الآن هو نفسه الطريق الأيمن عند متفرق الطرق.

ما زلنا نقطع الدرب قطعا، بلا جديد أو مثير حتى سمعنا صوت الماء! من أين هو يا ترى، أخذنا نطلق أبصارنا حتى رأينا شلالا متواريا خلف التلال.. شلال كبير ينضخ الماء ضخا..

قال أبي: ننزل الشلال ونجلس نستريح.
قلت: ونعم الرأي.
وصلنا قريبا من الشلال وأخذنا طريقا فرعيا من المسار الرئيسي، ولم يكن واضح المعالم ومعبدا كما يجب، حتى انتهى بنا إلى ماء راكد.
فأين الشلال! لا طريق إليه..
أخذت أفكر مع أبي بمخنا العربي الذي إذا خطرت له فكرة تحتم عليه تحقيقها، غير آبهين بالقوانين، والطرقات المرسومة.
فتوصلنا لنفس النتيجة معنا، نعود إلى المسار الرئيسي نمشي بعض المترات إلى الأمام ثم ننعطف من جديد ونمشي بين النباتات حتى نصل إلى الشلال.
وكانت مجازفة بحق ونحن نرى أقدامنا قد غاضت في الحشائش وغطت من طولها سيقاننا، فلو أفعى في المكان للدغتنا..ولكن الغريب أننا لم نشعر حتى بالحشرات من هذا المكان، كأن لا حياة..

أدركنا أن من العقل العدل عن هذه الفكرة، فقد بدت أصعب وأخطر مما تبدو والجلوس على قارعة الطريق يؤدي الغرض ويضمن السلامة.

وبعد أن ارتحنا أكملنا مسيرنا وكنا نظن أن لا مزيد من المفاجأت !

على نحو نصف كيلو أو ربما كيلو..
سمعنا صوت الماء مجددا..
هذه المرة شلال ضخم، جميل للغاية.. ونقول سبحان الله، كيف يكون في منظر الماء وصوته ارتواء للروح حتى وإن كانت لم تستقي منه.

يتمالكنا العطش، ونعلم أننا لن نشرب منه، ولكنها كما المشاعر فطرية في الإنسان إذا رأى الماء شعر بالابتهاج والفرج..

بدأت الشمس بالارتفاع وهنا بدأت أشعر بمعنى السفر..وتدور في ذهني متأملات كثيرة ..إنني الآن أسير في طريق مستقيم، إن حذوت عنه ربما هلكت.. وإن ارتحت ما وصلت، وفوقي شمس وأنا عطشى والطريق ما زالت طويلة ..

ما زلنا نسير حتى إذا وصلنا غابة لا نعلم أين الطريق فيها! لا تبدو فيها آثار تهيئة طريق ولا حتى لوحات، اجتهدنا بأن ننزل تحت جذع أو بين ساقين متقاربتين -لا أذكر-، ومن ثمة وجدنا الطريق.

كان في منتصفه رجل صيني بدين جالس، قد بدت عليه آثار الهلاكة.  سأله أبي عن حاله وهو يظن أننا نسأله الطريق فهو لا يجيد الإنجليزية
أشار يمينه فقال out وأشر أمامه ثم أصدر من فمه أصواتا مضحكة يقصد بها شلالا!

قال أبي تنزلين؟ وكنت قد بلغت من الأعياء مبلغه، ورأيت الطريق فإذا هو طين وجذوع أشجار.
قلت: لا، أشعر أن قدماي لا تتحمل أكثر.
فصحيح منظر خلاب وفرصة لا تعوض، ولكن ..

مشينا في طريق الخروج وانتهى بنا إلى مكان للنزول..
قال أبي مهلا يستحيل أن يكون هذا هو الطريق فإن علينا أن نصعد لا أن ننزل!
تلفت حولي فإذا بي أجد لوحة خلفنا مباشرة مكتوب عليها  طريق الخروج من هنا (أي من الخلف)،  وقد تبقى كيلو متر واحد على الوصول!.. ما أقله..

وكتب أيضا أن الطريق السفلي السابق يؤدي إلى الشلال. وهو الطريق الرسمي لا ذلك الذي أشار إليه الصيني. قال أبي: “دعينا نتحامل على أنفسنا ونرى الشلال فهي فرصة واحدة في العمر”.

نزلنا وكان الحمدلله سلما رصينا مريحا، ليس كما ذلك الطريق.

أما الشلال فهو منظر يأسر القلب والعقل. ماء مهول يتدفق من جبل بسرعة شديدة وكبيرة جدا جدا..وإذا نظرت في زاوية معينة، أرى قوس المطر يظهر أسفله، هذا وغير جمال الأشجار التي نمت قريبة منه.

ما إذا تأملت في الأعلى، أرى شريطا من الرذاذ المتتابع يشق طريقا مستقيما صاعدا من الأسفل نحو الأعلى، ظاهرة عجيبة ما عرفت لها تحليل..

هذا المنظر بمثابة المفاجأة الأخيرة قبل العودة، هكذا كنا نظن!
بيد أن الطريق ما زال يخفي لنا مفاجأت..

كنا نتلذذ بالمناظر الخضراء على مد البصر والطريق المستقيم على ضفتيه حشائش ومن بينها وبصورة منظمة ومرتبة شجيرات عجيبة شديد الاخضرار..ونحن ليس يشغلنا إلا هم الوصول، فجأة تعترض عيوننا صورة لسد ويتدفق منه الماء.. يااه مفاجأة جديدة! منظر خلاب ما أروعه،
كل المناظر التي شاهدناها لها جمال مختلف، وهذا له هيبة وانطباع في النفس يعكس راحة.. تأملناه حتى ترتسخ صورته في عيوننا ثم أكملنا الطريق..

في الطريق نرى أفواج من الناس تسير عكس اتجاه سيرنا.. هم يبدؤون رحلتهم الآن من هذا الطريق، ونحن ننهيه من هنا..
شاهدنا عائلة إنجليزية، أب وأم تحمل طفلا رضيعا مستخدمة حمالة، وطفلين توأمين أو ربما بينهما من العمر سنة.

يا إلهي! ماذا جاء بهم إلى هنا، المكان خطر جدا.. قلت لها: “خذي حذرك جيدا”.. فشكرتني وأكملت الطريق..
ندمت أنني لم أثني رغبتها في المسير وأقول لها عودي مع أطفالكِ من حيث أتيت..

وشاهدنا أيضا عائلة سعودية مع أم كبيرة لهم.. قال لهم أبي لا تكملوا حرام تتعبون الوالدة.. حدكم الشلال الضخم ثم عودوا أدراجكم هذا يغنيكم عن المواصلة..شكرونا ولم يكترثوا لجدية ما نقول..

بدأت تظهر على الطريق مظاهر تدخل الإنسان، الطريق معبد أكثر، ومقاعد من الحجر للراحة، شعرت هنا بالارتياح، كأننا صرنا أقرب للمجتمع، أقرب للبشر من بعد الانقطاع، مثل المسافر في الصحراء وحيدا ثم يجد قبيلة مستوطنة.

أصبحنا نرمق بوابة الخروج من بعيد، وكل منانا أن نصلها، يا هل ترى هل سنصل! هل سنفعلها! هل حقا انتهت الرحلة!

تقطعت أنفاسي، تضخمت دقات قلبي، أكاد لا أستطيع الاحتمال أكثر، فجأة ظهر علي الهلاك، لست متأكدة أن قدماي قادرة على الوصول إلى بوابة الخروج..

لما وصلت حمدت ربي..وأخذت أبحث عن أي شيء أتمسك به، أردت أن أهوي إلى الأرض وأمد رجلي في أي مكان ولو في الطريق..

هيهات، ليس بعد، المسيرة لم تنتهي !
ما زلنا نحتاج أن نمشي مسافة حتى نصل إلى السيارة، وعلينا أن نجد سيارتنا من بين مجموعات من السيارات.. ولا وسيلة تواصل بيننا وبين السائق..

رآنا السائق من بعيد ولوح لنا، وركبنا السيارة وفي طريق العودة نسأله كم إجمالا مشينا؟ قال 9 كيلومترات ..

 

عدنا بالسلامة وانتهت أحداث المغامرة..ولكن خواطر القلب ما هدأت ولعل لها تدوينة مستقلة..

*هذه الرحلة لم تكتب على سبيل الذكريات فحسب، بل في بطنها علامات ومواعظ حاول استنباطها..اترك تعليقا يكشف لنا ما توارد من خواطرك..

 

 

مذكرات سائحة (8) | الطريق إلى نهاية العالم

 

في الكون آيات وعبر، كلما زاد المؤمن فيه تأملا زاد معرفة بحقيقة نفسه واستصغارا للحياة.
بزغ الفجر معلنا يومًا جديدًا، وبينما هي الشمس تتأهب للنهوض، تأهبت أنا وأبي استعدادًا لرحلة يكسوها الغموض إلى ما يدعى “نهاية العالم”
ودعت أمي وبي مشاعر لا أعرفها، ربما كانت مشاعر المودع الذي قد لا يعود!
كان المرشد السياحي بانتظارنا أمام باب الفندق حتى يعرفنا على السائق الذي سوف يمضي بنا في هذه الرحلة.
زودونا أهل الفندق بالإفطار متمنين لنا السلامة وقضاء أمتع الأوقات
سارت بنا السيارة إلى مناطق لم نصلها من قبل بل لم تطأها أيادي العابثين، ورغم جمالها بقت لأهلها لا للسائحين..  مساحات خضراء لا تكثر فيها الأشجار كأنما هي حدائق أوروبية.
أشار السائق إلى يمينه والشمال قائلا:  “هذه مزارعنا” مزارع الخضروات، الفواكه، والأبقار.
رأينا المزارعين أطفال وعجائز يعملون، والأبقار سمان وألوان يرتعون، وعلى مقربة منها مراوح الهواء الضخمة (التوربينات) المخصصة لتوليد الكهرباء.
قطعنا تلك المنطقة لنبدأ صعود جبل زمن ساعة، وكانت هذه الساعة كأنما هي فلم وثائقي حول الطبيعة بالنمط السريع، فما أن نقطع مسافة صعود حتى نرى الأشجار تتبدل بغيرها من الأشجار. ففي بداية الصعود كانت الأشجار قصيرة متراصة، في منظر خلاب يبعث على الانشراح، ثم بدأت تزداد طولا وضخامة كلما ارتفعنا إلى الأعلى كأنما نحن في عالم الأدغال الذي يثير الفزع ولكنه في ذات الحين يكسو العين جمالا واندهاشا.
توقفت فينا السيارة على حافة الطريق لنرى الشمس من بين الأشجار ترسل أشعتها الباردة خجلة، كمن صحى متأخرا من نومه وصار يتمدد.
جمال الطبيعة وانبهارنا بتنوعها أشغلنا عن التفكير بالطريق الذي كان وعرا وغير آمن بتاتا، يثير الرعب فقد تكون فيه نهايتك..
شارعٌ واحد -ذهابا وإيابا- يتسع لسيارة واحدة فقط، غير معبّد بالتمام، منحدرات شديدة جدا، والجرف أسفل منا..
أوقف الرجل السيارة في الطريق وقد كانت هنالك آثار لزجاج متحطم وصحف متناثرة على حافته أشار وقال:
“هنا قبل يومين سقطت سيارة”
قالها ويبدو أن هذا أمر قد تم الاعتياد عليه، موقنا أنه قد يلاقي يوما حتفه نفس الحكاية..
وصلنا إلى ما يدعى بالحديقة، وهي قمة الجبل..
نزلنا من السيارة لشراء التذاكر وكان البرد يقرص الجسم قرصا.
دخلنا الحديقة بالسيارة فإذا الطبيعة مختلفة تماما تماما عن سابقتها وكأننا فجأة انتقلنا إلى بلد آخر، ربما سافانا أفريقيا..
كانت الأرض حشائش طويلة باهته، يغلب عليها الاصفرار، كما أن الحياة تبدو معدومة حتى من الحشرات (هكذا تهيأ لي). يكسر هذا النمط من الافتقار، غابات بعيدة كانت بمثابة علب الأسرار التي لم نفكر أنه من الممكن بإقحام أنفسنا فيها..
لا يفصلنا عن الشمس حجاب، فالسماء تبدو صافية تماما يُرى لونها الأزرق لا يخالطه بياض السحاب إلا من القليل جدا، وتبدو الشمس قريبة جدا..
 والأدهش من هذا أن نرى على مد البصر قمم جبال موازية لنا ومن خلفها جبال بيضاء شكلتها السحب أي أننا الآن على مستواها أو أعلى منها.
وقفت السيارة في نقطة معينة، وقال السائق: “هنا سأنتظركم، ومن هناك تبدؤون رحلتكم”.
طلبنا منه رقم هاتفه حتى نعلمه عند رجوعنا فقال: “لستم بحاجة إليه، لأن المنطقة هنا خاليةٌ تماما من الإرسال!”
ـــ
الطريق إلى قمة الجبل يشبه شريط حياة الإنسان،
فتلك المزارع الخضراء المرتبة الهادئة التي لا تعرف إلا السلام كما هو حال الطفل إذ ينشأ..
ثم إذ هو كبر متمتعا بالفتوه تبدأ تضاريس الحياة تظهر عليه كظهور الشجر ويباشرها هو بنشاطه.
ثم إذ هو يزداد بلوغا وفي الحياة رسوخا، تتزاحم عليه المشاغل بأنواعها كزحام الشجر وتنوعها وتتضخم همومه كتضخمها ويصبح طريقه محفوفا بالفتن التي إن لم ينجو منها سقط من أعلى الجرف هاويا.
ولأن المؤمن بطبيعة حاله لا يجزع، يواصل مسيره صابرا محتسبا مستمدا من النور الإلهي العظيم الذي به ينشرح صدره ويتيسر له أمره..
ثم يحين يومه الذي قد يفاجئه فتنقطع عنه همومه وتنتهي أيام الكد والركض خلف رزق العيش إذ قد انقضت حياته وصار في العالم الذي كان مجهولا ينتظر مصيره، فهنالك حيث ينقطع وتلغى جميع الاتصالات بينه وبين الأحياء من أهله.

 

مذكرات سائحة (7) | استعمار النفوس

image

السلام، الاتحاد، الاعتزاز، مبادئ تبحث عنها في أي بلد تزوره.

في سريلانكا ستدرك حجم تمسكهم بمعتقداتهم وأنت ترى صور آلهتهم في كل حدب وصوب، ويتخذون منها نوعا من الفن الذي يزينون به جدرانهم ولوحاتهم وحتى أقمشة ثيابهم.

ستدرك حجم تمسكهم بالتقاليد وأنت ترى النساء يرتدين الساري حتى في حفلات زفافهن.

ستدرك حجم اتحادهم وأنت تراهم أجناس مختلفة تعيش في سلام، وستعرف شدة ولائهم لحاكمهم وأنت ترى تكرر صوره في كل إعلان، في كل زاوية صغيرة أو كبيرة.

وسريلانكا بالمناسبة بلد خضعت للاستعمار البريطاني قرابة الـ 130عام ثم دخلت في حروب أهلية لم تنتهي إلا منذ أعوام معدودة.

وصلنا إلى أحد الفنادق، واستقبلونا بأسلوب خاص يختلف تماما عن بقية الفنادق، شعرت بشيء من الراحة وأنا أتأمل لوحاتهم التي لم تكن من بينها صورة البوذا ولا آلة الهندوس، يبدو المكان معتادا كما لو كنت في فندق من فنادق دبي، ولكنه شيء غريب، فالأمر لم يقتصر فقط على مجرد لوحات، بل كافة التفاصيل، الأثاث، المقاعد، وحتى الموسيقى! إنهم لا يظهرون هويتهم كما الفنادق السابقة، لا أرى عاملة ترتدي ساري، جميعن يرتدين تنانير قصيرة وقمصانا رسمية.

والأكثر دهشة أن فوق طاولة الحساب تُعلق لوحات للعائلة الملكية البريطانية!
سألهم أبي: ما هذا؟ أين هي صورة حاكم هذا البلد؟
-المعذرة يا سيدي هذا فندق بريطاني.
-وإن كان، الاحتلال البريطاني انتهى !

سكتوا ولم يجيبوا.

الاستعمار له مخالب، يغمسها في عقول المُستَعمرين، حتى يروا أن التمسك بآثاره تحضر!

جميع العاملين في الفندق سيلانكييون يرتدون البدل الرسمية، البنطال، القميص، ربطة العنق، المعطف، إلا عمال النظافة فهم وحدهم يرتدون قميصا مرتبا ولكن مع إزار!

أليست هذه من تسربات الاستعمار؟ المستعمرين البريطانيين لابد أنهم اتخذوا السريلانكيين خدما لديهم، وهؤلاء الخدم كانوا يرتدون ثيابهم البسيطة المتوفرة لديهم، وصارت هذه علامة عليهم..

دخلت إلى الغرفة، واتجهت إلى الطاولة أضع حقيبتي فإذا بكتاب على الطاولة، شهقت شهقة كبيرة! ما هذا! إنجيل!!!

طبعا، ما كان علي أن أبدي كل هذا التعجب وأنا أعلم أني في بلد متعدد الأديان ويعطي حرية في ذلك، ولكني نسيت، ولأنها المرة الأولى التي أرى كتابهم على الحقيقة ولم أتوقع أن تحصل..ولأني أظن أن هذا الكتاب وضع بأمر شخص من خارج بلدهم، لا من معتنق مسيحية في البلد ..أي بقصد التبشير وهم لا يلقون بالا..

وبالمناسبة، فإن المستشفيات جميعها هنالك يرمز إليها بالصليب الأحمر، وكأن الصليب هو علامة الشفاء عندهم! ولما قال لنا المرشد السياحي أن العلاج مجاني للجميع مواطنين وزوار، شعرت أن ذلك يعود لعمليات تبشير سابقة.

في آخر محطة لنا في العاصمة، حجزنا فندقا من خمسة نجوم، وكان بالنسبة لنا لا يستحق نجمة واحدة، والسبب… لا خراطيم مياه للغسل بعد قضاء الحاجة! (أعزكم الله) وكان هو الفندق الوحيد من بين الفنادق التي زرناها بهذا المنطق على أن بقية الفنادق كانت من نفس المستوى أو أقل بدرجة.. وهذا ما يسمى التقليد الأعمى..

مشكلتنا الكبيرة الغباء، ولا أقول مشكلتهم فنحن العرب لسنا ببعيدين عنهم.. عندما نريد أن نتقدم في مجال ما، فإننا ننقل تجربة الآخرين بحذافيرها، بإيجابياتها وسلبياتها.. ولا نقول نأخذ الجيد ونطوره ليتماشى مع تقاليدنا واحتياجنا ونتخلص من أخطائهم فنكون الأفضل..كلا بل إننا ننقل فقط..