أرشيف الوسم: سيلانكا

مذكرات سائحة (8) | الطريق إلى نهاية العالم

 

في الكون آيات وعبر، كلما زاد المؤمن فيه تأملا زاد معرفة بحقيقة نفسه واستصغارا للحياة.
بزغ الفجر معلنا يومًا جديدًا، وبينما هي الشمس تتأهب للنهوض، تأهبت أنا وأبي استعدادًا لرحلة يكسوها الغموض إلى ما يدعى “نهاية العالم”
ودعت أمي وبي مشاعر لا أعرفها، ربما كانت مشاعر المودع الذي قد لا يعود!
كان المرشد السياحي بانتظارنا أمام باب الفندق حتى يعرفنا على السائق الذي سوف يمضي بنا في هذه الرحلة.
زودونا أهل الفندق بالإفطار متمنين لنا السلامة وقضاء أمتع الأوقات
سارت بنا السيارة إلى مناطق لم نصلها من قبل بل لم تطأها أيادي العابثين، ورغم جمالها بقت لأهلها لا للسائحين..  مساحات خضراء لا تكثر فيها الأشجار كأنما هي حدائق أوروبية.
أشار السائق إلى يمينه والشمال قائلا:  “هذه مزارعنا” مزارع الخضروات، الفواكه، والأبقار.
رأينا المزارعين أطفال وعجائز يعملون، والأبقار سمان وألوان يرتعون، وعلى مقربة منها مراوح الهواء الضخمة (التوربينات) المخصصة لتوليد الكهرباء.
قطعنا تلك المنطقة لنبدأ صعود جبل زمن ساعة، وكانت هذه الساعة كأنما هي فلم وثائقي حول الطبيعة بالنمط السريع، فما أن نقطع مسافة صعود حتى نرى الأشجار تتبدل بغيرها من الأشجار. ففي بداية الصعود كانت الأشجار قصيرة متراصة، في منظر خلاب يبعث على الانشراح، ثم بدأت تزداد طولا وضخامة كلما ارتفعنا إلى الأعلى كأنما نحن في عالم الأدغال الذي يثير الفزع ولكنه في ذات الحين يكسو العين جمالا واندهاشا.
توقفت فينا السيارة على حافة الطريق لنرى الشمس من بين الأشجار ترسل أشعتها الباردة خجلة، كمن صحى متأخرا من نومه وصار يتمدد.
جمال الطبيعة وانبهارنا بتنوعها أشغلنا عن التفكير بالطريق الذي كان وعرا وغير آمن بتاتا، يثير الرعب فقد تكون فيه نهايتك..
شارعٌ واحد -ذهابا وإيابا- يتسع لسيارة واحدة فقط، غير معبّد بالتمام، منحدرات شديدة جدا، والجرف أسفل منا..
أوقف الرجل السيارة في الطريق وقد كانت هنالك آثار لزجاج متحطم وصحف متناثرة على حافته أشار وقال:
“هنا قبل يومين سقطت سيارة”
قالها ويبدو أن هذا أمر قد تم الاعتياد عليه، موقنا أنه قد يلاقي يوما حتفه نفس الحكاية..
وصلنا إلى ما يدعى بالحديقة، وهي قمة الجبل..
نزلنا من السيارة لشراء التذاكر وكان البرد يقرص الجسم قرصا.
دخلنا الحديقة بالسيارة فإذا الطبيعة مختلفة تماما تماما عن سابقتها وكأننا فجأة انتقلنا إلى بلد آخر، ربما سافانا أفريقيا..
كانت الأرض حشائش طويلة باهته، يغلب عليها الاصفرار، كما أن الحياة تبدو معدومة حتى من الحشرات (هكذا تهيأ لي). يكسر هذا النمط من الافتقار، غابات بعيدة كانت بمثابة علب الأسرار التي لم نفكر أنه من الممكن بإقحام أنفسنا فيها..
لا يفصلنا عن الشمس حجاب، فالسماء تبدو صافية تماما يُرى لونها الأزرق لا يخالطه بياض السحاب إلا من القليل جدا، وتبدو الشمس قريبة جدا..
 والأدهش من هذا أن نرى على مد البصر قمم جبال موازية لنا ومن خلفها جبال بيضاء شكلتها السحب أي أننا الآن على مستواها أو أعلى منها.
وقفت السيارة في نقطة معينة، وقال السائق: “هنا سأنتظركم، ومن هناك تبدؤون رحلتكم”.
طلبنا منه رقم هاتفه حتى نعلمه عند رجوعنا فقال: “لستم بحاجة إليه، لأن المنطقة هنا خاليةٌ تماما من الإرسال!”
ـــ
الطريق إلى قمة الجبل يشبه شريط حياة الإنسان،
فتلك المزارع الخضراء المرتبة الهادئة التي لا تعرف إلا السلام كما هو حال الطفل إذ ينشأ..
ثم إذ هو كبر متمتعا بالفتوه تبدأ تضاريس الحياة تظهر عليه كظهور الشجر ويباشرها هو بنشاطه.
ثم إذ هو يزداد بلوغا وفي الحياة رسوخا، تتزاحم عليه المشاغل بأنواعها كزحام الشجر وتنوعها وتتضخم همومه كتضخمها ويصبح طريقه محفوفا بالفتن التي إن لم ينجو منها سقط من أعلى الجرف هاويا.
ولأن المؤمن بطبيعة حاله لا يجزع، يواصل مسيره صابرا محتسبا مستمدا من النور الإلهي العظيم الذي به ينشرح صدره ويتيسر له أمره..
ثم يحين يومه الذي قد يفاجئه فتنقطع عنه همومه وتنتهي أيام الكد والركض خلف رزق العيش إذ قد انقضت حياته وصار في العالم الذي كان مجهولا ينتظر مصيره، فهنالك حيث ينقطع وتلغى جميع الاتصالات بينه وبين الأحياء من أهله.

 

مذكرات سائحة (7) | استعمار النفوس

image

السلام، الاتحاد، الاعتزاز، مبادئ تبحث عنها في أي بلد تزوره.

في سريلانكا ستدرك حجم تمسكهم بمعتقداتهم وأنت ترى صور آلهتهم في كل حدب وصوب، ويتخذون منها نوعا من الفن الذي يزينون به جدرانهم ولوحاتهم وحتى أقمشة ثيابهم.

ستدرك حجم تمسكهم بالتقاليد وأنت ترى النساء يرتدين الساري حتى في حفلات زفافهن.

ستدرك حجم اتحادهم وأنت تراهم أجناس مختلفة تعيش في سلام، وستعرف شدة ولائهم لحاكمهم وأنت ترى تكرر صوره في كل إعلان، في كل زاوية صغيرة أو كبيرة.

وسريلانكا بالمناسبة بلد خضعت للاستعمار البريطاني قرابة الـ 130عام ثم دخلت في حروب أهلية لم تنتهي إلا منذ أعوام معدودة.

وصلنا إلى أحد الفنادق، واستقبلونا بأسلوب خاص يختلف تماما عن بقية الفنادق، شعرت بشيء من الراحة وأنا أتأمل لوحاتهم التي لم تكن من بينها صورة البوذا ولا آلة الهندوس، يبدو المكان معتادا كما لو كنت في فندق من فنادق دبي، ولكنه شيء غريب، فالأمر لم يقتصر فقط على مجرد لوحات، بل كافة التفاصيل، الأثاث، المقاعد، وحتى الموسيقى! إنهم لا يظهرون هويتهم كما الفنادق السابقة، لا أرى عاملة ترتدي ساري، جميعن يرتدين تنانير قصيرة وقمصانا رسمية.

والأكثر دهشة أن فوق طاولة الحساب تُعلق لوحات للعائلة الملكية البريطانية!
سألهم أبي: ما هذا؟ أين هي صورة حاكم هذا البلد؟
-المعذرة يا سيدي هذا فندق بريطاني.
-وإن كان، الاحتلال البريطاني انتهى !

سكتوا ولم يجيبوا.

الاستعمار له مخالب، يغمسها في عقول المُستَعمرين، حتى يروا أن التمسك بآثاره تحضر!

جميع العاملين في الفندق سيلانكييون يرتدون البدل الرسمية، البنطال، القميص، ربطة العنق، المعطف، إلا عمال النظافة فهم وحدهم يرتدون قميصا مرتبا ولكن مع إزار!

أليست هذه من تسربات الاستعمار؟ المستعمرين البريطانيين لابد أنهم اتخذوا السريلانكيين خدما لديهم، وهؤلاء الخدم كانوا يرتدون ثيابهم البسيطة المتوفرة لديهم، وصارت هذه علامة عليهم..

دخلت إلى الغرفة، واتجهت إلى الطاولة أضع حقيبتي فإذا بكتاب على الطاولة، شهقت شهقة كبيرة! ما هذا! إنجيل!!!

طبعا، ما كان علي أن أبدي كل هذا التعجب وأنا أعلم أني في بلد متعدد الأديان ويعطي حرية في ذلك، ولكني نسيت، ولأنها المرة الأولى التي أرى كتابهم على الحقيقة ولم أتوقع أن تحصل..ولأني أظن أن هذا الكتاب وضع بأمر شخص من خارج بلدهم، لا من معتنق مسيحية في البلد ..أي بقصد التبشير وهم لا يلقون بالا..

وبالمناسبة، فإن المستشفيات جميعها هنالك يرمز إليها بالصليب الأحمر، وكأن الصليب هو علامة الشفاء عندهم! ولما قال لنا المرشد السياحي أن العلاج مجاني للجميع مواطنين وزوار، شعرت أن ذلك يعود لعمليات تبشير سابقة.

في آخر محطة لنا في العاصمة، حجزنا فندقا من خمسة نجوم، وكان بالنسبة لنا لا يستحق نجمة واحدة، والسبب… لا خراطيم مياه للغسل بعد قضاء الحاجة! (أعزكم الله) وكان هو الفندق الوحيد من بين الفنادق التي زرناها بهذا المنطق على أن بقية الفنادق كانت من نفس المستوى أو أقل بدرجة.. وهذا ما يسمى التقليد الأعمى..

مشكلتنا الكبيرة الغباء، ولا أقول مشكلتهم فنحن العرب لسنا ببعيدين عنهم.. عندما نريد أن نتقدم في مجال ما، فإننا ننقل تجربة الآخرين بحذافيرها، بإيجابياتها وسلبياتها.. ولا نقول نأخذ الجيد ونطوره ليتماشى مع تقاليدنا واحتياجنا ونتخلص من أخطائهم فنكون الأفضل..كلا بل إننا ننقل فقط..

مذكرات سائحة (6) | في الجنة ما لا عين رأت

 

 

دخلنا إلى الحدائق ورأيت النباتات الغريبة، أشجار ضخمة يبلغ عمرها من السنين فوق المئة، جذورها الضخمة تظهر كعروق فوق الأرض، أو عتبات في الطريق.
أزهار بأشكال غريبة، منها ما يتدلى من الشجر وأخرى ورود، وإذا قلت هذه الزهرة أعرفها، فإني أجدها بلون لم أعرفه من قبل إلا بالفوتوشوب. وأرى أنه من المدهش أن يكون هنالك انتشارا واسعا للأزهار الزرقاء والقرمزية والبرتقالية، والأكثر دهشة أن أرى زهرة يمتزج فيها لونان كالأصفر والأزرق!
ومن النباتات ما لا أعرف ماهيتها، أهي تصنف كأزهار أم ماذا؟ عيدان تخرج منها خيوط ناعمة كأنها فرو، تشبه بعضا من ألعاب الصغار ومستلزمات التزيين، وأخرى مخملية تماما إذا لمستها لا أجد بينها وبين قماش المخمل فرق.
ومن الأعشاب ما يشبه نباتاتنا الصحراوية، مظهرها غير مثير للاهتمام، ولكن بمجرد لمس أوراقها تجف وتتكمش وتصبح أعوادًا سوداء متفحمة، ذلك بسرعة فائقة كسحر وهو ليس بسحر ..ثم إنها بعد خمس دقائق تعود كما كانت خضراء متفتحة.
وأخرى تختلف تماما عما تعودت عليه من النبات -سبحان الله- تبدو أوراقها كأنها بلاستيكية! تشك أفيها تدخل الإنسان أو أنها طبيعية؟ وهي طبيعية تماما.أما الفواكه وما أدراني ما الفواكه، ثمار لم أعهد أن أراها بهذه الضخامة والألوان، إجاص عملاق، موز أحمر، أنانس أحمر، وأنواع أراها أول مرة، لم أعرف بوجودها، ولا حتى تخيلتها.
قلت لأبي: إني لأرى هذا كله لأول مرة في الدنيا وأنا مندهشة.. فكيف بالجنة التي فيها ما لا عين رأت لا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر؟!

مذكرات سائحة (5) | بين جنة الدنيا وجنة الآخرة

إذا كانت هذه هي جنة الدنيا فكيف بجنة الله في الآخرة؟
في صباح ثاني يوم لنا في المنتجع، وعقب تناول وجبة الإفطار كنت أجلس وحيدة في صالة الاستقبال وحيث يجتمع أغلب مقيمي المنتجع، قابلت خالة سعودية بادرت إلي تلقي السلام وتتعرف، طلبت منها الجلوس ودارت بيننا أحاديث ودية، وكانت إنسانة في قمة الروعة والرقي ثم شاركتنا ابنتها الجلسة.
حكتا لي كيف قضوا ليلة البارحة بلا نوم بسبب الوزع، وأنهم ينوون مغادرة المنتجع لعدم الارتياح، كما حكتا لي عن تجربتهم والأماكن التي زاروها..
ارتحت لهما، وقد كان حديث الخالة لا يخلو من الذكر والتأمل، فجذبني من كلامها قولها: “زرنا منطقة تسمى جنة الدنيا والطريق إليها جد خطير، منحدرات وشارع يقسم الظهر، كنت أقول هذه هي جنة الدنيا لكي نصل إليها نعرّض أنفسنا للمخاطر والمهالك، وجنة الله تشترى في بيوتنا بذكر وقرآن آمنين مطمئنين”
فلنتأمل كيف فتح الله علينا أبواب رحمته ويسر علينا عبادته في الرخاء..لكننا نقابل ذلك بالتكاسل والانجراف نحو المعاصي..
ذكرني حديثها بما يقول أبي دوما
في الدنيا أشجار كثيفة كل منها أكبر من الآخر، جبال لا تعرفها من شدة اخضرارها، وماء يجري كجدول أو نهر .. ولكن سلّم لي على الحشرات والوحوش..
لابد من منغص، فما كان الله ليضع جنته في الدنيا..
وحدها الجنة الحقيقية هي التي تخلو وتصفو من أي منغص أو خطر..

مذكرات سائحة (4) | التعارف في السفر

 

في السفر فرصة للألفة والتعارف، خصوصا عندما يتعلق الأمر بكونك غريبا في بلد وتحتاج إلى أبناء جلدتك.
كنت في المطعم أنا وأمي نسأل عن قائمة الطعام واحترنا أهو حلال؟ وماذا علينا أن نختار؟
أمسكت أمي القائمة وجلست في مقعد بجوار سائحة كويتية قائلة مباشرة: “احترنا يا أختي في أكلهم ما هو الحلال منه” ثم بدأ حوار يدور بينهما متعدد الموضوعات تارة عن المناطق السياحية وتارة عن الإمارات والكويت والأهل والأقرباء.
وأنا أقف في ذهول اسمعهما كأنما لقاء تعارف سابق حصل بينهما واستغرقت أبحث في سجلات أرشيف ذاكرتي متى كان هذا اللقاء وكيف وهي لم تفارقني بتاتا.. وخرجت بلا نتيجة..
في الغرفة استجوب أمي،
“هكذا فقط، على طول كلمتيها بهذا الأسلوب بلا مقدمات أو معرفة مسبقة؟!”
قالت:  “ما بكِ قلت لها السلام عليكم ونحن مارين مسبقا”
أنا في نفسي:  (فقط السلام كفى!)
صدق حبيبي صلى الله عليه وسلم حين قال:
(ألا أدُلُّكم على أمرٍ إذا فعَلْتُموه تحابَبْتُم ؟ أفشوا السَّلامَ بينكم)
تكرر لقاؤنا بها مرات عديدة وكانت ودودة جدا، كل لقاء مختلف عن الآخر منه ما اكتفى بالسلام ومنه أين ذهبتم اليوم وماذا وجدتم؟
في آخر لقاء تناول الحديث جوانب شخصية وكيف حصل التعارف وحكت لها أمي ما بدى مني من تعجب واستغراب فقالت: “هذا هو الإسلام دين محبة وتراحم وتعارف بين الشعوب والقبائل، الحمدلله الذي أوجدنا مسلمين”
كان حديثها جميلٌ جدا وأسلوبها راقي..  وإلى هذا اللحظة لم نكن نعرف اسمها ولا تعرف اسمنا ..
فطلبنا رقمها ثم عرفتنا بنفسها، وكانت صدفة جميلة إذ تبين أنها عمة فتاة أتابعها على تويتر.
كانت هذه ليست أول مرة استجوب فيها أمي الاجتماعية بطبعها عكسي تماما..
دائما ما أقول:  “يا أمي أي امرأة ترينها هكذا والدرب تعارفتم! ويالسرعة العلاقات التي تكونينها!”
ودائما ما تكرر علي نفس الكلام: “الناس بطبيعتها تحب من يتودد إليه ويبادر بالتعارف، أنت فقط لديك صورة سيئة وحذر مبالغ. أكلم الناس فإذا وجدت منهم تقبلا أكمل وإلا فانصرف”
في فندق آخر، كنا نجلس في قاعة الاستقبال وحيث يجتمع هنالك المقيمون، أراد أبي الصلاة جماعة فاقترحنا عليه أن يخبر رجلا سعوديا كان جالسا مع زوجته. ذهب الرجال للصلاة وبقت الزوجة وحيدة،
قلت لأمي هيا نذهب نجلس معها، قالت:  لا!
قلت: معقول أنت أمي!
أصررت عليها حتى تشجعت فذهبنا إليها فإذا هي عكس المتوقع..
غير اجتماعية بتاتا، تجاوب قدر السؤال ولا تبدي ترحيبا ..
طبعا لحظتها شكتت في أمي لعلها تكون خارقة تميز من يستحق التعرف عليه بلمحة بصر.
طبعا في هذه الرحلة أمي تعرفت على عمانية تبين أنها تعرف أفراد من المعارف ولها نفس الاهتمامات، وسيلانكية تبين أنها من أهل مدير الفندق ورزقنا بواسطات والحمدلله.
أليس شكي بأمي في محله يا ناس؟

مذكرات سائحة (3) | التغيير من الداخل

 

من الدروس التي يتعلمها المرء في سفره أن لا يتعجل في إطلاق الأحكام أولا، ثم أن يتنازل أو يتغاظى عن بعض الأمور لتكمل متعته، وأخيرا أن يفكر خارج الصندوق ويرى الأشياء على ما هي عليه ويستغلها بأكمل الصور.
بعد عناء أربع ساعات في طريق أضف عليهم مواصلتنا الليل بالنهار في الطائرة. وصلنا أخيرا إلى المنتجع الذي سنقيم فيه ليلتان. الجو حار والرطوبة شديدة، أصبنا بخيبة آمال كبيرة خصوصا لما علمنا أن المنطقة ليست بها مرافق سياحية تستحق الزيارة والذي يعني ضياع يوم في المنتجع! وهل أتينا نحن من أجل البقاء في المنتجع؟ ثم إن المنتجع لا تتوفر فيه شبكة الإنترنت إلا في صالة الاستقبال فهل هذه حال؟
كان الاتفاق بيننا وبين المرشد السياحي أن يصحبنا إلى محمية طبيعية صباح اليوم الثاني، ولكن كل من زاروها حذرونا من الوقوع في المصيدة فلا شيء فيها يستحق بهض ثمنها.
ولما علم الأستاذ المرشد كأنه غضب ولم يعجبه ولمح لنا بأننا بخله!
طلبنا منه أخذنا بجولة في المنطقة فأخذنا إلى حيث المحمية ليرينا كتيب فيه صور لعلنا نغير رأينا ورغم هذا أصررنا على موقفنا.. فأعادنا إلى المنتجع كمعاقبين!
أصبحنا الآن مجبرون على إيجاد حل كي لا يضيع علينا اليوم، فوجدنا أن هذا الحل لا يتعدى تغيير فكرة مرسومة في أذهاننا..
فكان ذلك اليوم من أروع ما يكون، لما غيّرنا فكرتنا حول المنتجع من مكان نوم وسكن إلى مكان استجمام واسترخاء واستغلال للمرافق..

تجولنا في المنتجع وتعرفنا على كل مرافقه، وتلبدت السماء بالغيوم، وما عاد هنالك حر! كأنما الشتاء حل فجأة.

أجرينا مغامرات.. تعرفت على القرود، مشت أمامي السناجب، أراد أن ينطحني ثور، لم أخف من الكلاب -إلا قليلا- وتسلقت كوخ الشجرة.

ثم إن جلوسي في صالة الاستقبال من أجل الإنترنت، كان بحد ذاته متعة وتغييرا وخروجا عن الانعزال حيث يجتمع المقيمون هناك وفي المرافق، فكانت هنالك فرصة للتعارف بيننا وبين الأخوة العرب، فتبادلنا معهم أروع الحديث، وأحببنا المكان حتى كأننا لم نرد المغادرة.

مذكرات سائحة (2) | المسلمون في سرنديب

 

بلد متعدد الثقافات والأديان ترى الصليب ثم صنم البوذا وأصنام التاميل (الهندوس) وثم الحمدلله المساجد. الأديان عندهم تتضاد أشد ما يكون ورغم هذا متعايشون!
التعايش ليس بالضرورة أن يكون كليا إيجابيا، فأحيانا من باب التعايش يتنازل المرء عن جزء من هويته ويتخلى عن مبادئه واقتفاء شريعته.
ذكرنا إعجابنا بتعايشهم للمرشد السياحي وهو بوذي فإذا به يبدي نبرة من السخط قائلا: “بكل تأكيد فنحن لسنا كالسعودية التي لا تقبل إلا مسلما!، وعلى ماذا هذا التعصب والعنصرية، فكلنا بشر في النهاية مصيرنا واحد (الموت). هنا في سيلانكا نعمل مع بعض، نتزوج من بعض…”
لم ندعه يكمل الحديث لينطلق في تفاصيل يصعب على عقله فهمها وحاولنا تهدئه لتحسين الصورة حتى يتقبلنا بشكل أكبر، بينا له أن السعودية لا تقبل غير المسلمين في مكة والمدينة فقط، وأن الإسلام أباح الزواج من أهل الكتاب.
لما أخبرنا عن زواج المسلمين بالبوذيات وربما العكس كدت أن أضع يدي على رأسي من فرط المصيبة التي يصنعونها بأنفسهم، سحقا للجهل.
الكثيرون يتغنون بحب الأرض والولاء للأرض والفداء للأرض وأن الوحدة هي وحدة الأرض.
في نظري أن المرتبة الأولى من الوحدة والولاء هي الولاء لله متمثلة في دينه الإسلام ثم الأرض..
إن الانتساب إلى دولة غير مسلمة تعترف بالدين الإسلامي كأحد الأديان الأساسية فيها وتعطي للمسلم حرية العبادة كما سواه، بلد تستحق من مواطنها أن يحمي عنها ويحرص على أمنها، ولكن لا يمنعه هذا عن التبليغ أو يمنحه هذا الحق بأن يخلط دينه بآخر!
كان يذكر لنا المرشد عن فئة من المسلمين -على حد زعمه- تسكن منطقة في الهند، يؤمنون بالله -سبحانه- وببوذا كأخ له -حاشا لله، تبارك ربنا وجل وعز-.
من هذا الحديث تشكلت لدينا صورة أن المسلمين في سيلانكا مسلمون بالاسم فقط! وأننا قد لا نعرف المسلم من غيره للأسف، ولكن هذه الصورة سرعان ما تبددت من أذهاننا لحظة وصولنا إلى مدينة لم نر فيها أصناما، وكان ثمة انجذاب في القلب نحوها.
رأيت المساجد لأول مرة هناك، يا الله!  منظر يسعد القلب ويقذف فيه مشاعر انتماء.
نساء محجبات في الشوارع، بحجاب سابغ جدا، وبعضهن منقبات.. كان ذلك وقت صلاة الجمعة والمساجد تكاد تمتلئ..
المحلات معظمها مغلقة، سألنا المرشد عن السبب فقال أغلب سكان المنطقة مسلمون يستعدون للجمعة.
المسلمون في سيرلانكا تعرفهم بسيماهم، فما عداهم من الوجوه حالك منفر شاد الأعصاب ولا تظن فيه خيرا، لكن المسلمين وجوههم وضاءة، متزينة باللحى التي تضفي وقارا بالنسبة للرجال، والحجاب الذي منه يشع الوجه ضياء بالنسبة للنساء، وفيهم سماحة، وصدورهم رحبة.
إذا ارتحت لسيرلانكي فقط أسأله ما دينك سيقول: “مسلم”
المسلمون هنالك يخضعون لأشد أنواع الغربة، فكيف لا وهم أقلية محاطة بجو من الشرك وما من فتنة أعظم. فهل يتخيل واحد منا نشأ في بلد التوحيد، أن يكون في بلده أديان شركية تفوق الإسلام انتشارا؟!
وأن أحكام البلد وقوانينها لن تستمد من الإسلام؟ بل أن الحاكم نفسه ليس مسلما! تأملا جيدا واحمد ربك كثيرا.
أكثر ما انشرح له صدري واطمئن به قلبي، أن المسلمون هم قادة الاقتصاد في البلد، وهم أفضل معيشة من غيرهم، جاء هذا كبلسم على قلبي بعد أن رأيت خان متهالكا للمسلمين تلاصقه كنسية حديثة ضخمة.
هكذا هم غرباء في بلدهم، ولكن من جهتنا نحن في بلادهم، كنا نلاقي نوعي غربة: غربة الدين، وغربة الوطن.. عندما رأيناهم، زادت همتنا في التمسك بالاغتراب الأول، وخفت وطأت الغربة الأخرى فكأننا بين أهلينا.
كنا نسير في إحدى الحدائق وأمامنا عائلة تقابلنا في المسير، الأم والبنات يرتدين حجابا سابغا ونقابا، كانوا يسيرون كما لو هالة من الطهر تحيط بهم، تجذب العيون فلا تكاد تتبع سواهم، ركضت طفلتهم لتسبقهم حتى وصلت إلينا والأب ينادي عليها “أميمة”.
من شدة إعجابنا باختيارهم للاسم أخذنا نهمس لبعض “اسمها أميمة، أميمة!” وكانوا يشعرون بعيوننا التي تبصرهم بنظرة الغريب المشتاق، الذي لعبت بمركبه أمواج الحنين فما هدأت إلا بهم، وسمعوا همساتنا باسم ابنتهم وهم يكادون يتجاوزوننا، فترددت أقدامهم وتباطئت منهم الخطى كأنهم أحسوا أن لدينا حاجة عندهم ينتظرونها منا، ونحن على خجل، فينا رغبة التعرف عليهم ولا ندري ماذا نقول، أشبعت فؤادي بنظرةٍ تجاههم توقفوا لأثرها فقلت: “السلام عليكم” ردوا السلام ثم مضى كلٌ منا في حاله وأنا يؤرقني ندم الخجل.
لا أحد سيصْدقك ويكرمك في سيلانكا كمسلم، الكل يحاول أن يجمع أكبر قدر من النقود من جيبك ولو بالنصب، لكن المسلمون يريدون أن يتاجروا معك برضا الله ثم رضاك..
تعرضنا لحادثة موجعة، في إحدى المرافق السياحية لأننا كنا لطفاء كرماء مع أصحابها، فبادلونا بالتبلي والاستهزاء، فخرجنا من المكان نستشيط غيضا وطلبنا من المرشد التوقف عند أقرب مسجد، مبينين له أن الهدي النبوي أمرنا عند الغضب أن نتوضأ..
صلينا هنالك، فلما انتهينا جاء أحد الطيبين يقول لأبي: إن لدينا مطعما للمسلمين هنا تابعٌ للمسجد إذا أحببت أن تشرفنا.
أدخلونا المطعم وهم يضعوننا فوق رؤوسهم يبدون احتراما كبيرا. اجلسونا في قسم العوائل وكان الحاجز نصفه زجاجي يكشف، فطلبوا من زبائهم المقابلين لنا التحرك من مكانهم! ثم منعوا أحدا من المرور.
 كان المطعم متواضع جدا وعلى الطاولة ماء منسكب، وعلبة صلصة مفتوحة، طلبنا منهم تنظيف الطاولة واستبدال العلبة بجديدة وتلقوا ذلك بصدر رحب.
أحضروا إلينا الملاعق في إناء من الماء الحار، حتى نطمئن لنظافتها، ثم أحضروا لنا الأطباق، كل طبق مغسول ومغلف بالنايلون، ثم أحضروا إلينا الوجبات وكنا قد طلبنا كبسة وعدس فقط، ولكن الطاولة أمتلأ بالمقبلات من عندهم.
كانت هذه هي المرة الأولى منذ وصولنا إلى سيلانكا التي نشعر فيها أننا نأكل حقا!، أكلهم شهي، كأنه أكل بيوتنا، طازج ونأكله ونحن مطمئنون بأنه حلال. ووقت الحساب قالوا: “لن نُدفعكم ثمن ما زاد من أكلكم!” وطبعا أبي رفض.
كنت أشعر أن الله سبحانه وتعالى أكرمنا بهذا المكان، ليكون بلسما لجرحنا وتطيبا لقلوبنا، ومنه تعلمنا دروسا بليغة.
ما أجمل أخوة الإسلام، ما أعظمها من مبدأ وما أروعها من مشاعر، تعرفت هنالك على فتاتين سيلانكيتين لطيفتين، بدأت الحديث بسؤال عن مكان تواجد الفيلة، ثم نظام التعليم لديهم وماذا تخططان للمستقبل، وانتهى بطلبنا أخذ صورة معهما. وضعت يدي على كتفيهما وقلت:”أنا سعيدة جدا بالتعرف عليكما لأنكما مسلمتان مثلي”.

مذكرات سائحة (1) | الانطباع الأول

من بعد انقطاع عن التدوين، بل ربما انقطاع عن الكتابة، تفتحت أزهار قلمي في سرنديب، الجزيرة الخضراء الممطرة التي أسموها حديثا (سيلانكا)
مذكرات سائحة، سلسلة من التدوينات، أسطر بها خلجاتي بلا ترتيب .. فهي ليست تقرير عن رحلة، بل هي بعض الذكريات والملاحظات والتأملات صنفتها حسب الموضوعات.

 

(1)

 

image

المطار هو الواجهة التي من خلالها يكوّن الزائر الفكرة الأولى عن أهل البلد، والفكرة الأولى دوما ما تسود ويصعب تغييرها لاحقا. أجمل ما يكون عند زيارة أي بلد أن ترى أهله متمسكين ومعتزين بلغتهم وثقافتهم.

عند خروجنا من الطائرة وفي الخرطوم كانت في الاستقبال امرأة تمسك لوحة إرشادية تلبس الساري وقد كان مرتبا، أنيقا وجميلا عليها (لولا كشف البطن) كنت أظنها جاءت تستقبل أحد القادمين وأن واسطتها قوية سمحت لها باستقباله في الخرطوم! ولكن سريعان ما تبين لي أنها موظفة. أبديت بعض الاستنكار، لماذا تلبس موظفة زيًا كأنها مقبلة على مناسبة أو عرس؟ أوليس من المفترض أن يكون الزي موحدا وعمليا؟ رفعت رأسي أتأمل إعلانا حائطيا، ثم نقلت عيني إلى آخر، فإذا بهما يحملان صورة فتاة بذات الزي تماما، أطلقت بصري من حولي فإذا بي أرى نسخ مكررة من تلك الآنسة حتى توصلت أخيرا إلى أنه الزي الموحد للموظفات.

منظر يفرض عليك احتراما تجاههم وتفترض أنك في المقابل ستنال مثله، بيد سِيَمّ الناس في وجوههم لا في لباسهم. إن مجرد النظر في تلك العيون يعطي كمية كافية من الإدراك حول البرود الذي سيستقبلوننا به لأداء إجراءات الدخول، كأننا جئنا نشحذ لديهم لا لأن نكون في ضيافتهم.

البرود ليس قضية أمام الاستحقار! كم هو مخزي في حقهم أن نكلمهم فلا يردون وينشغلون بالدردشة والضحك مع من حولهم كأنهم يستهزئون بنا!

في سيرلانكا لا يبتسم إلا الفقراء، وربما طمعًا في شيء يسمونه “هدية” (واستثني من ذلك المسلمون منهم)

 

image

خرجنا من المطار كمولود من بعد مخاض متعسر.. وأبصرنا الحياة خضراء كأنما هي صلالة عمان لكن بثوب حديقة الصفا في دبي، وأخذنا طريقا داخليا تضلله أشجارهم وتتفرع منه طُرق أضيق والناس من حوله يعيشون حياتهم الطبيعية، بيوت بسيطة وجميلة مرتبة على نمط كلاسيكي على الأرجح أنه متأثر بالاستعمار البريطاني. المشاة مكتضون على حواف الطريق، راكبو الدراجات فرادا ومثاني ..

سيارات التوك توك .. محلّات الفواكهة، ثمرات جوز الهند، وحزم الموز المعلقة رأسيا..

أرى ذلك كله من نافذة السيارة كأنما هي شاشة التلفاز تعرض أحد الأفلام الهندية. فقط كنت أتمنى لو توقفت بنا السيارة ونزلت أمشي في تلك الدروب أشاركهم الحياة.