مذكرات سائحة (9) | نهاية العالم

٢٠١٤٠٨٢٦_١٠٣٠٠٢

المذكرة الأخيرة… نهاية العالم

قبل أن تقرأ: وأنت تستدعي الخيال ليلتمس الصور.. افتح قلبك ليتأمل المعاني والعبر..

تابع لمذكرات سائحة (8)

وجهنا وجوهنا نحو الطريق إلى “نهاية العالم”، وأدرنا ظهورنا عن كل المخاوف متحدين الغموض والمشقة التي نتوقعها. المعلومة الوحيدة التي نعرفها عن هذه الرحلة أننا سنمشي مسافة 4 كيلومترات وهي معلومة تبين لاحقا أنها غير دقيقة.

بدأنا من نقطة البداية وحيث يبدأ الناس..طريق مستقيم شق للسير وعلى ضفتيه حشائش كثيرة خضراء مصفر لونها..كأننا نسير في سافانا أفريقية..
صعدنا منحدرا عبّدوه بالصخور، وانقطت أنفاسنا ونحن نقطعه، ونقول “أمن البداية تعبنا؟!”

سار بنا الطريق لنصعد جسرا من تحته جدول ماء ضخم الذي ما  إن سمعت خرير ماءه تراقص قلبي طربانا..
واستوقفت أبي “لحظة أصور!” فيقول”مه، عمرك ما شفتِ ماء؟!”

ثم وصلنا إلى متفرق طرق.. فإذا بلوحة تشير إلى اتجاه اليمين وتقول “نهاية العالم من هنا” وأخرى إلى الشمال وتقول “نهاية العالم من هنا” فكل الطرق تؤدي ولا فرق جلي بالمسافة.
وعلى أن الطريق الأيمن يبدو أكثر سهولة فهو كما يبدو أرض مستوية سهلة، سلكنا الشمال خوضا مع الخائضين واقتفاء بالسابقين..لنرى أنفسنا على بعد أميال أمام غابة نوشك على اختراقها كما يخترق ركاب الطائرة السحابة.

ولجناها فإذا هي ظلال وارفة، وأشجار على جنب الطريق من شدة كثافتها لا تتسع لنا مساحة بينها، وإذا رفعنا بصرنا نرى جذوعها تحاول أن تتعلق بالسماء، وعليها آثار الوهن والكبر، كل منها يصور وجها لمخلوق عجوز أو فزاعة..
وهنا بدأ الطريق يعلن ثورته على قاطعيه، ويبرز أسنان رخامية تناهت ألوانها من الجمال ونحن نسير عليها بحذر لأن لا تكسر عظامنا أثر الانزلاق.
ونسمع أصوات همس تستوقفنا كأنها مقطوعة شُغلت على شرف وصولنا، نصغي إليها وعيوننا تتفحص مصدرها، لا ندري أهو عصفور خجول أراد أن يؤنسنا أم حشرات تسكن الأشجار.

وبعد السير الطويل الفتان قرابة الثلاثة كيلومترات في الغابة إلى حيث لا نعرف رأينا نورًا ينبثق من أمامنا فانشرحت صدورنا كمثل سائر في نفق مظلم، ورأى شعاع النور يبشره باقتراب الفرج..

وصلنا إلى نهاية العالم(الصغرى)، أرض مستوية على حافة جبل زاوية انحداره تسعون، تطل على مشهد مذهل، قمم جبال ومن خلفها جبال أخرى لكنها تختلف لكونها بيضاء تشكلت من السحب ومن الأسفل نهر أو مجموعة بحيرات رسمتها في مخيلتي كبحيرات سرية ما اكتشفها الإنسان حتى صعد هذا الجبل..

مشهد مدهش، ولكن يحرك فيك مشاعر الرعب بأن لا تستبعد أن نكون نهايتك هنا، هنا قد تقضي نحبك كما آخرون زاروا المكان من قبل..

أخذت زاوية أصور منها وأنا مطمئنة ومسرورة، بيني وبين الحافة نباتات كثيفة لكن أبي كان متوترا حذرا ويقول: “احذري المكان أضيق مما تتصورين وأخطر، هذه النباتات خداعة تظهر كأنها نابتة في مستوى وقوفنا وهي في الحقيقة على حافة الجرف. أي زلة من قدم أو سرحان تهلكك”.

أكملنا طريقنا متبعين لوحة تشير إلى نهاية العالم (الكبرى) وبعد أن قطعنا مسافة سير لم تكن بالكبيرة مقارنة بما قطعنا من قبل، وصلنا  فإذا هي نفس المشهد..

أخبرونا لاحقا أنه على حظنا قد تبددت الغيوم التي كان من المفترض أن نراها تغطي المشهد في الأسفل كما يفعل بساط القطن، بحيث تنقطع عيوننا عن رؤية شيء غير السحب ولهذا سميت بنهاية العالم..

هل نحن الآن نسلك طريق العودة؟ يبدو طريقا مستقيما..سرنا عليه ولا أشجار تضللنا والأرض مستوية. تبين لنا أننا ندور في دائرة مع عقارب الساعة، فالطريق التي نعود منه الآن هو نفسه الطريق الأيمن عند متفرق الطرق.

ما زلنا نقطع الدرب قطعا، بلا جديد أو مثير حتى سمعنا صوت الماء! من أين هو يا ترى، أخذنا نطلق أبصارنا حتى رأينا شلالا متواريا خلف التلال.. شلال كبير ينضخ الماء ضخا..

قال أبي: ننزل الشلال ونجلس نستريح.
قلت: ونعم الرأي.
وصلنا قريبا من الشلال وأخذنا طريقا فرعيا من المسار الرئيسي، ولم يكن واضح المعالم ومعبدا كما يجب، حتى انتهى بنا إلى ماء راكد.
فأين الشلال! لا طريق إليه..
أخذت أفكر مع أبي بمخنا العربي الذي إذا خطرت له فكرة تحتم عليه تحقيقها، غير آبهين بالقوانين، والطرقات المرسومة.
فتوصلنا لنفس النتيجة معنا، نعود إلى المسار الرئيسي نمشي بعض المترات إلى الأمام ثم ننعطف من جديد ونمشي بين النباتات حتى نصل إلى الشلال.
وكانت مجازفة بحق ونحن نرى أقدامنا قد غاضت في الحشائش وغطت من طولها سيقاننا، فلو أفعى في المكان للدغتنا..ولكن الغريب أننا لم نشعر حتى بالحشرات من هذا المكان، كأن لا حياة..

أدركنا أن من العقل العدل عن هذه الفكرة، فقد بدت أصعب وأخطر مما تبدو والجلوس على قارعة الطريق يؤدي الغرض ويضمن السلامة.

وبعد أن ارتحنا أكملنا مسيرنا وكنا نظن أن لا مزيد من المفاجأت !

على نحو نصف كيلو أو ربما كيلو..
سمعنا صوت الماء مجددا..
هذه المرة شلال ضخم، جميل للغاية.. ونقول سبحان الله، كيف يكون في منظر الماء وصوته ارتواء للروح حتى وإن كانت لم تستقي منه.

يتمالكنا العطش، ونعلم أننا لن نشرب منه، ولكنها كما المشاعر فطرية في الإنسان إذا رأى الماء شعر بالابتهاج والفرج..

بدأت الشمس بالارتفاع وهنا بدأت أشعر بمعنى السفر..وتدور في ذهني متأملات كثيرة ..إنني الآن أسير في طريق مستقيم، إن حذوت عنه ربما هلكت.. وإن ارتحت ما وصلت، وفوقي شمس وأنا عطشى والطريق ما زالت طويلة ..

ما زلنا نسير حتى إذا وصلنا غابة لا نعلم أين الطريق فيها! لا تبدو فيها آثار تهيئة طريق ولا حتى لوحات، اجتهدنا بأن ننزل تحت جذع أو بين ساقين متقاربتين -لا أذكر-، ومن ثمة وجدنا الطريق.

كان في منتصفه رجل صيني بدين جالس، قد بدت عليه آثار الهلاكة.  سأله أبي عن حاله وهو يظن أننا نسأله الطريق فهو لا يجيد الإنجليزية
أشار يمينه فقال out وأشر أمامه ثم أصدر من فمه أصواتا مضحكة يقصد بها شلالا!

قال أبي تنزلين؟ وكنت قد بلغت من الأعياء مبلغه، ورأيت الطريق فإذا هو طين وجذوع أشجار.
قلت: لا، أشعر أن قدماي لا تتحمل أكثر.
فصحيح منظر خلاب وفرصة لا تعوض، ولكن ..

مشينا في طريق الخروج وانتهى بنا إلى مكان للنزول..
قال أبي مهلا يستحيل أن يكون هذا هو الطريق فإن علينا أن نصعد لا أن ننزل!
تلفت حولي فإذا بي أجد لوحة خلفنا مباشرة مكتوب عليها  طريق الخروج من هنا (أي من الخلف)،  وقد تبقى كيلو متر واحد على الوصول!.. ما أقله..

وكتب أيضا أن الطريق السفلي السابق يؤدي إلى الشلال. وهو الطريق الرسمي لا ذلك الذي أشار إليه الصيني. قال أبي: “دعينا نتحامل على أنفسنا ونرى الشلال فهي فرصة واحدة في العمر”.

نزلنا وكان الحمدلله سلما رصينا مريحا، ليس كما ذلك الطريق.

أما الشلال فهو منظر يأسر القلب والعقل. ماء مهول يتدفق من جبل بسرعة شديدة وكبيرة جدا جدا..وإذا نظرت في زاوية معينة، أرى قوس المطر يظهر أسفله، هذا وغير جمال الأشجار التي نمت قريبة منه.

ما إذا تأملت في الأعلى، أرى شريطا من الرذاذ المتتابع يشق طريقا مستقيما صاعدا من الأسفل نحو الأعلى، ظاهرة عجيبة ما عرفت لها تحليل..

هذا المنظر بمثابة المفاجأة الأخيرة قبل العودة، هكذا كنا نظن!
بيد أن الطريق ما زال يخفي لنا مفاجأت..

كنا نتلذذ بالمناظر الخضراء على مد البصر والطريق المستقيم على ضفتيه حشائش ومن بينها وبصورة منظمة ومرتبة شجيرات عجيبة شديد الاخضرار..ونحن ليس يشغلنا إلا هم الوصول، فجأة تعترض عيوننا صورة لسد ويتدفق منه الماء.. يااه مفاجأة جديدة! منظر خلاب ما أروعه،
كل المناظر التي شاهدناها لها جمال مختلف، وهذا له هيبة وانطباع في النفس يعكس راحة.. تأملناه حتى ترتسخ صورته في عيوننا ثم أكملنا الطريق..

في الطريق نرى أفواج من الناس تسير عكس اتجاه سيرنا.. هم يبدؤون رحلتهم الآن من هذا الطريق، ونحن ننهيه من هنا..
شاهدنا عائلة إنجليزية، أب وأم تحمل طفلا رضيعا مستخدمة حمالة، وطفلين توأمين أو ربما بينهما من العمر سنة.

يا إلهي! ماذا جاء بهم إلى هنا، المكان خطر جدا.. قلت لها: “خذي حذرك جيدا”.. فشكرتني وأكملت الطريق..
ندمت أنني لم أثني رغبتها في المسير وأقول لها عودي مع أطفالكِ من حيث أتيت..

وشاهدنا أيضا عائلة سعودية مع أم كبيرة لهم.. قال لهم أبي لا تكملوا حرام تتعبون الوالدة.. حدكم الشلال الضخم ثم عودوا أدراجكم هذا يغنيكم عن المواصلة..شكرونا ولم يكترثوا لجدية ما نقول..

بدأت تظهر على الطريق مظاهر تدخل الإنسان، الطريق معبد أكثر، ومقاعد من الحجر للراحة، شعرت هنا بالارتياح، كأننا صرنا أقرب للمجتمع، أقرب للبشر من بعد الانقطاع، مثل المسافر في الصحراء وحيدا ثم يجد قبيلة مستوطنة.

أصبحنا نرمق بوابة الخروج من بعيد، وكل منانا أن نصلها، يا هل ترى هل سنصل! هل سنفعلها! هل حقا انتهت الرحلة!

تقطعت أنفاسي، تضخمت دقات قلبي، أكاد لا أستطيع الاحتمال أكثر، فجأة ظهر علي الهلاك، لست متأكدة أن قدماي قادرة على الوصول إلى بوابة الخروج..

لما وصلت حمدت ربي..وأخذت أبحث عن أي شيء أتمسك به، أردت أن أهوي إلى الأرض وأمد رجلي في أي مكان ولو في الطريق..

هيهات، ليس بعد، المسيرة لم تنتهي !
ما زلنا نحتاج أن نمشي مسافة حتى نصل إلى السيارة، وعلينا أن نجد سيارتنا من بين مجموعات من السيارات.. ولا وسيلة تواصل بيننا وبين السائق..

رآنا السائق من بعيد ولوح لنا، وركبنا السيارة وفي طريق العودة نسأله كم إجمالا مشينا؟ قال 9 كيلومترات ..

 

عدنا بالسلامة وانتهت أحداث المغامرة..ولكن خواطر القلب ما هدأت ولعل لها تدوينة مستقلة..

*هذه الرحلة لم تكتب على سبيل الذكريات فحسب، بل في بطنها علامات ومواعظ حاول استنباطها..اترك تعليقا يكشف لنا ما توارد من خواطرك..

 

 

فلتبقي نبضة في صدر هذا الكون ~ (3)

 

تجول في خاطري كلمات في ذكرى المكالمة الأخيرة، لكم حننت إلى صوتك الرخيم وشدكِ على يدي..

ما زلت أكتب إليك بعد سلسلة من الرسائل، ختمت آخرها أن ثمة حديث سيكون، ولكني ابتلعته من غير مبرر..!

انسدل فستانك الأبيض مثل بياض قلبك، بل أن قلبك أجمل.
في عينيك نظرة الحياء وابتسامتك ابتسامة السعداء والوجه إلى الأسفل من شدة الخجل.

وأنا وصاحبتي نكحل عيوننا نبصرك.. أنا أراكِ لأول مرة بعد تلك السنين الكثيرة .. وهي لأول مرة في العمر ..

ولم تكن بيننا قبل ذاك عدا رسائل الأوفياء والمكالمات..وصورتك نرسمها في الخيال..
حضور كلتينا زفافك تيسير من المولى القدير ونعمة.. وذكرى لا تنسى وهي من أجمل الأيام..

يومها ألقيت على مسمعكِ:

هي الأكوان عامرة رباها
بحب لا يحد ولا يعكر

فتحفظنا لفرحتنا بذكرى
تضوَّع صفوها مسكًا وعنبر

دعوا الأيام تحكي عن سناها
دعوها في بحار الأنس تبحر

عروس قد تسامت في بهاها
حروف الشعر زاهية تسطر

تبارك بالسما ربا حباها
فؤادا صافيا رحبا مطهر

عروس من محبتنا أتينا
تهانينا لها بالسعد تزهر

إله الكون بلغها رجاها
وهبها الخير والعيش المنور

أحب اسمك لما أراه، تنمو على حروفه الأزهار، لا نقطفها بل تهدى إلينا من يديك الفاتنة. لتحلق فراشات قلوبنا سعيدة في روض جميل يجمعنا..

أحب فضلكِ علينا..يا معلمتي..
وأفتقد شدتكِ وتلك الكلمات التي تصب في أذني صبًا لتجعلني أوقظ همتي وأصحح نيتي..

المكالمة الأخيرة.. علمت أن بعدها ستكون أشواقنا كبيرة..
المكالمة الأخيرة..علمت أن بعدها حرمان وفقد..
المكالمة الأخيرة..قلق ومشاعر ترقب..

يا رب اكتب لحبيبة قلوبنا لطفًا ورفقًا وانشراحًا وتيسيرًا وسعادة دائمة

في ظلال #رحلتي_إلى_النور

image

قلت:
في الجنة سأسأله عن تتمة الحكاية، عن كل المشاعر التي خطفه الموت قبل أن يدونها.

ثم قلت: هل تراني سأطلب في الجنة حديثًا من الحزن؟ أم أن الحكاية حينها ستكون على سبيل التسلية ونضحك على تلك المواجع!

لقد أبدله الله خيرا لابد، فقد ذاق من الابتلاء ما قد ذاق. وهذا دأبُنا أن نحسن الظن.

تساءلت في نفسي لما لم يُتَداول اسمه بيننا كثيرًا -نحن الجيل الجديد- وقد كان ذا همة وسلك طريقًا يجعله في الصدارة؟
لم أكن بكامل الاستيعاب لما قرأت “يرحمه الله” على غلاف الكتاب، أنها تعني وفاته في ريعان الشباب!

كم تطرق للأموات من مرة؟ وعلى أن ذكر البعض منهم ما كان مستدعي ولا يزيد الحكاية حبكة..
هل يا ترى كان يشعر؟ يذكر نفسه؟ يذكرنا بالأجل الآتي لا محاله؟

ما سبب إلغائه فكرة أن يدون حياته في ثلاث روايات منفصلة واقتصاره على رواية واحدة مع قفزات كبيرة بين المراحل والأزمنة؟ ليرويها بعد أن بدأها بتسلسل، بمجرد الأحداث التي تخطر على ذاكرته أو التي استدعت الحاجة إليها، وكأنه يسابق الزمن، يحاول أن يغطي من كل مرحلة أهم أحداثها التي حصلت.

أليس في هذا درس يعلمنا إياه بعد أن ترك النهاية مفتوحة، أن الحياة قد تكون أقصر من زمن تدوينها؟
وأن أعمارنا قد لا تبلغ زمن حددناه لعمل أجلناه.. !

فلنغتم قبل أن نفارق..

تعرفنا على شخصيته، وهو لم يكن شخصًا مثاليا ولم يكن يحاول الظهور بذلك
لكنه كان يظهر محاولته في المحافظة على طهارة قلبه وإخلاصه فيما هو مقدم عليه وعلو همته.

لكم تساءلت في بداية الحكاية عن جديته فيما يحكي؟!، لقد غامر مغامرة أيما مغامرة، بل جازف مجازفة أيما مجازفة بل تصرفَ بطيش ولم أوافقه أبدًا فيما فعل ولا فيما برر..

تسلسلت الأحداث الأولى ببعض الملل، لأننا نقرأ الكتاب وننتظر الوجبة الدسمة منه التي لأجلها نقرأ له.. وهي أن يشرع بالحكي لنا عن حياة شخص آخر!..
كنا نقتل الملل بترقب نقطة الالتقاء بينهما..
وحينما حانت اللحظة، اشتد التشويق ودخل الصراع في الموضوع صرنا نندمج مع شخصيته هو أكثر ويهمنا أمره..

ثم خضع لرغبتنا بأن يسلط الضوء على ذلك الشخص أكثر فأكثر والذي عرفناه وأحببناه لكننا لم نعرف تفاصيل حياته، ولا كيفية معاشه..فصار يحكي لنا من القصص والمواقف التي معها تلألأت عيوننا إعجابًا وغبطة ..وازداد حبنا له وكَبُر..

ولما فرغ من ذلك وعاد يروي عن حياته الشخصية التي ليس لها صلة بمطلبنا أتمننا القراءة تعطفا وتكرمًا فقد صار صاحبنا الذي بيننا وبينه فضل، ولقد أبكانا أيما بكاء..

اسمى حكايته
“رحلتي إلى النور”
فيا رب بلغه نوره، واجعل له في قبره نورا..

صاحبنا اطلق على نفسه مالك الرحبي كاسم مستعار في المنتديات آن ذاك.
واسمه الحقيقي مازن الغامدي
سطر بحروفه سيرته في طلب العلم متتلمذا لدى شيخنا العلامة ابن عثيمين -رحمهما الله جميعا ووالديهما-. ولا أرى تتلمذه عند الشيخ إلا فضل من الرحمن وتيسيرًا..فقد كان ابن عثيمين له بمثابة الوالد وأكثر، ولنعم الولد الذي يتربى في كنف هذا الوالد.

تعلمنا من شيخنا ..وأنا أقول تعلمنا كمن عاش وسمع ورأى وياليت كان لي هذا..

تعلمنا معنى أن ينتفع العالِم من علمه، فلم أكن أتوقع أن يعيش إنسان زاهدًا في عصرنا، وعلى رغم مقربته من الأمراء والملوك.

تعلمنا من شيخنا التواضع، وما أجمله من خلق حسن. وهو صاحب نكته، وجده جد.

شيخنا معلم فذ، يجيد تكريم المجتهد وتشجيعه، ويقرب ذا الهمة ومن طرق باب الهمة جادًا يصل بإذن الله للقمة.

استقينا من شيخنا أنه لا ينبغي أن تكون بين المسلمين فجوة (هذا متدين وهذا عاصٍ).. وأن ديننا دين أخُوة ورحمة، عمل بمعروف ونهي عن منكر لا نعين الشياطين على إخواننا.

تعلمنا أن لا نخاف في الله لومة لائم وأن من أساليب الدعوة التدرج والبدء بإصلاح القلوب فإذا كانت جد غافلة ونكسب ودها حتى تتقبل.

شيخنا مثال جميل على من يحرص على الاقتفاء بالسنة والاتباع شبرا بشبر. غير واضعٍ للحدود والقيود كما نفعل -نسأل المولى العافية-.

العلم أمانة في نظر شيخنا، لا يستنكف عن إفتاء الناس ويبذل في ذلك جهده ويرى أن حقهم عليه أهم من حق بدنه عليه.

رغم انشغاله وازدحام مواعيد أعماله لا يترك ورده من القرآن..لا يترك ورده..

يهتم بمواعيده، ويضيق صدره إن اعترض عارض يمنعه من الوصول، ويحترم وقت الدرس وتواجد طلبة العلم فلا يقطعه أو يأجله بسهولة.

شيخنا كان مهتما بالتقنيات الحديثة ولا يتردد في اقتناء ما ينفع العلم منها، وكان حريصا على تسجيل دروسه لتصل وتبلغ من لم يتمكن من حضور مجلسه..وقد آتى ذلك ثمرته..
قلت لصحبي ونحن بين أيدينا القصة نقرأ فيها: إن فرصة التتلمذ على يد ابن عثيمين ما زالت متاحة حتى بعد وفاته!
فهذا موقعه يزخر بالعلم لمن أراد..
قالوا: ليس كمن رافقه ولازمه.

قلت: إذا فات البعض ما فات الكل.

قلت هذا الكلام فلما تابعت القراءة إذا بصاحبنا يحكي عن حجاج من الأمريكان السود أتوا يسلمون على الشيخ في الحج ويقولون نحن تلامذتك وهو يقول: لا أذكر أنكم درستم عندي!
قالوا يا شيخ لقد سمعنا شروحك من الأشرطة في الواسطية وكتاب التوحيد وغيرها فنحن نعتبر أنفسنا تتلمذنا عليك.

رحم الله شيخنا وتلميذه مازن وأسكنهما الجنة..اللهم اجعلهما ممن يرزقون نعمة النظر إلى وجهك الكريم وبلغهما صحبة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.

لتحميل الكتاب

مذكرات سائحة (8) | الطريق إلى نهاية العالم

image

في الكون آيات وعبر، كلما زاد المؤمن فيه تأملا زاد معرفة بحقيقة نفسه واستصغارا للحياة.
بزغ الفجر معلنا يومًا جديدًا، وبينما هي الشمس تتأهب للنهوض، تأهبت أنا وأبي استعدادًا لرحلة يكسوها الغموض إلى ما يدعى “نهاية العالم”
ودعت أمي وبي مشاعر لا أعرفها، ربما كانت مشاعر المودع الذي قد لا يعود!
كان المرشد السياحي بانتظارنا أمام باب الفندق حتى يعرفنا على السائق الذي سوف يمضي بنا في هذه الرحلة.
زودونا أهل الفندق بالإفطار متمنين لنا السلامة وقضاء أمتع الأوقات
سارت بنا السيارة إلى مناطق لم نصلها من قبل بل لم تطأها أيادي العابثين، ورغم جمالها بقت لأهلها لا للسائحين..  مساحات خضراء لا تكثر فيها الأشجار كأنما هي حدائق أوروبية.
أشار السائق إلى يمينه والشمال قائلا:  “هذه مزارعنا” مزارع الخضروات، الفواكه، والأبقار.
رأينا المزارعين أطفال وعجائز يعملون، والأبقار سمان وألوان يرتعون، وعلى مقربة منها مراوح الهواء الضخمة (التوربينات) المخصصة لتوليد الكهرباء.
قطعنا تلك المنطقة لنبدأ صعود جبل زمن ساعة، وكانت هذه الساعة كأنما هي فلم وثائقي حول الطبيعة بالنمط السريع، فما أن نقطع مسافة صعود حتى نرى الأشجار تتبدل بغيرها من الأشجار. ففي بداية الصعود كانت الأشجار قصيرة متراصة، في منظر خلاب يبعث على الانشراح، ثم بدأت تزداد طولا وضخامة كلما ارتفعنا إلى الأعلى كأنما نحن في عالم الأدغال الذي يثير الفزع ولكنه في ذات الحين يكسو العين جمالا واندهاشا.
توقفت فينا السيارة على حافة الطريق لنرى الشمس من بين الأشجار ترسل أشعتها الباردة خجلة، كمن صحى متأخرا من نومه وصار يتمدد.
جمال الطبيعة وانبهارنا بتنوعها أشغلنا عن التفكير بالطريق الذي كان وعرا وغير آمن بتاتا، يثير الرعب فقد تكون فيه نهايتك..
شارعٌ واحد -ذهابا وإيابا- يتسع لسيارة واحدة فقط، غير معبّد بالتمام، منحدرات شديدة جدا، والجرف أسفل منا..
أوقف الرجل السيارة في الطريق وقد كانت هنالك آثار لزجاج متحطم وصحف متناثرة على حافته أشار وقال:
“هنا قبل يومين سقطت سيارة”
قالها ويبدو أن هذا أمر قد تم الاعتياد عليه، موقنا أنه قد يلاقي يوما حتفه نفس الحكاية..
وصلنا إلى ما يدعى بالحديقة، وهي قمة الجبل..
نزلنا من السيارة لشراء التذاكر وكان البرد يقرص الجسم قرصا.
دخلنا الحديقة بالسيارة فإذا الطبيعة مختلفة تماما تماما عن سابقتها وكأننا فجأة انتقلنا إلى بلد آخر، ربما سافانا أفريقيا..
كانت الأرض حشائش طويلة باهته، يغلب عليها الاصفرار، كما أن الحياة تبدو معدومة حتى من الحشرات (هكذا تهيأ لي). يكسر هذا النمط من الافتقار، غابات بعيدة كانت بمثابة علب الأسرار التي لم نفكر أنه من الممكن بإقحام أنفسنا فيها..
لا يفصلنا عن الشمس حجاب، فالسماء تبدو صافية تماما يُرى لونها الأزرق لا يخالطه بياض السحاب إلا من القليل جدا، وتبدو الشمس قريبة جدا..
 والأدهش من هذا أن نرى على مد البصر قمم جبال موازية لنا ومن خلفها جبال بيضاء شكلتها السحب أي أننا الآن على مستواها أو أعلى منها.
وقفت السيارة في نقطة معينة، وقال السائق: “هنا سأنتظركم، ومن هناك تبدؤون رحلتكم”.
طلبنا منه رقم هاتفه حتى نعلمه عند رجوعنا فقال: “لستم بحاجة إليه، لأن المنطقة هنا خاليةٌ تماما من الإرسال!”
ـــ
الطريق إلى قمة الجبل يشبه شريط حياة الإنسان،
فتلك المزارع الخضراء المرتبة الهادئة التي لا تعرف إلا السلام كما هو حال الطفل إذ ينشأ..
ثم إذ هو كبر متمتعا بالفتوه تبدأ تضاريس الحياة تظهر عليه كظهور الشجر ويباشرها هو بنشاطه.
ثم إذ هو يزداد بلوغا وفي الحياة رسوخا، تتزاحم عليه المشاغل بأنواعها كزحام الشجر وتنوعها وتتضخم همومه كتضخمها ويصبح طريقه محفوفا بالفتن التي إن لم ينجو منها سقط من أعلى الجرف هاويا.
ولأن المؤمن بطبيعة حاله لا يجزع، يواصل مسيره صابرا محتسبا مستمدا من النور الإلهي العظيم الذي به ينشرح صدره ويتيسر له أمره..
ثم يحين يومه الذي قد يفاجئه فتنقطع عنه همومه وتنتهي أيام الكد والركض خلف رزق العيش إذ قد انقضت حياته وصار في العالم الذي كان مجهولا ينتظر مصيره، فهنالك حيث ينقطع وتلغى جميع الاتصالات بينه وبين الأحياء من أهله.

 

#موعظة_الاختبارات

 

wpid-img_٢٠١٤١٢٢٩_٠١٢٦٥٦.jpg.jpeg

 

المقيم في عالم التواصل الاجتماعي قد يعيش في الفترة الراهنة تغيرا في الأجواء العامة.

فالطيور المغردة، والمعتكفون على كتاب الوجوه والمندسون في الطرقات، مستغرقون في مناقشة قضية #الاختبارات

أما عن الطائرات الورقية والفقاعات تلك التي تحمل رسائل الأصدقاء قد قلت في الآونة الأخير وانسحب بعض هواتها
وصارت أغلب الرسائل تحمل نصائح أو مراجعات..

فلذلك قررت أن أشارك الأصدقاء جوهم والذي سأعيشه فور انتهائهم وأنشر بعض القصاصات هنا بعنوان #موعظة_الاختبارات

(1)

قال تعالى:
” فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون” سورة العنكبوت, الآية 65

ما أشد شبه الفترة التي نمر فيها بركوب البحر !
البحر سطحه أمواج ورياح، وأعماقه خيرات وأرباح..
واختباراتنا صعوبات وتحديات ومن ثم درجات وشهادات ..

وهي فترة شدة لا ريب، يكثر فيها الطالب من الدعاء سائلا الله التوفيق والسداد..

وبعد أن تمر هذه المرحلة، مؤسف أن منا من ينسى أن يشكر ويولي مدبرا مستكبر..

حري بالمؤمن أن يعرف الله في الرخاء والشدة..
ومن عرف الله في الرخاء عرفه في الشدة…

(2)

كنت في أيام الثانوية قد اشتركت في مسابقة علمية خارج المدرسة، وقد أعدتني المعلمة لذلك. عند باب المدرسة ودعتني متمنية لي التوفيق وما أن أدرت ظهري خارجة نادتني لتلقي على مسمعي موعظة أخيرة:

أكثري الاستغفار إذا استصعبت عليك مسألة فقد قال شيخ الاسلام ابن تيمية:

“والله ما استصعبت علي مسألة فأستغفر الله الفاً او اكثر الا يفتَحُها الله علي”

تركت وصيتها في نفسي الأثر العميق ومازلت أذكرها فيها.

(3)

“أنا بانتظار أن تنتهي الاختبارات حتى انظر في أمور إصلاح نفسي”

من أسوء ما سمعت..وأكذبه..
كيف نجعل الاختبارات ذريعة للتأخر في التوبة ونحن لا نضمن أعمارنا؟
بل إننا بحاجة إلى الاستعانة بالله وتوفيقه خصوصا في هذه الفترة..

الإنسان قادر على أن يضع أكثر من هدف وينشغل بهما في آن واحد..

كم نعاني نحن من تضييع الوقت وتفضيل الراحة وأمور دنيانا على أخرانا..بل نعاني من عقبات وهمية من صنع أنفسنا..

وبالمناسبة، جميع من قالوها انتهت اختباراتهم ودارت عليهم الأيام وإلى الآن ما تغيرت أحوالهم للأصلح..

(4)

ما أتفه اختبارات الدنيا، إنها فقط تحدد مستقبلنا الدنيوي أو قد لا تشكل فرقا.. مع ذلك تهتز أركاننا خوفا وطمعا..

ليت قلوبنا القاسية تلين وتتذكر أنها تعيش اختبارا أكبرا يحدد المستقبل الحقيقي.. مستقبل الخلود..

عجيب أن يكون طموح أحدنا الحصول درجة الامتياز في الدنيا، ولا يكون طموحه من الجنة فردوسها

(5)

الاختبارات تعلمنا الدروس وتهدينا من المواعظ التي تنفعنا في اختبارنا الحقيقي

عندما أدخل على اختبار ويواجهني سؤال متاهة أو يحتاج إلى حل طويل يتسلل إلى داخلي تساؤل..  ماذا لو كان بعد هذا العناء لا شيء؟
لا شيء صحيح وأكون قد سلكت غير ذات الطريق وابتعدت عن الإجابة والنتيجة صفر ..

تقع على لساني مباشرة الآية:
“وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا” الفرقان, الآية 23

هباء منثورا. .
هباء .. منثورا ..

يا الله!  يقشعر الجسد..
أبعد الحياة ولربما طول العمر .. نحشر إليك مفلسين لا شيء لا شيء!

“أتدرون ما المفلِسُ ؟ قالوا : المفلِسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ . فقال : إنَّ المفلسَمن أمَّتي ، يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مالَ هذا ، وسفك دمَ هذا ، وضرب هذا . فيُعطَى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه . فإن فَنِيَتْ حسناتُه ، قبل أن يقضيَ ما عليه ، أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه . ثمَّ طُرِح في النَّارِ” رواه مسلم

ختام:
إياك أن يشغلك مستقبلك الدنيوي عن الأخروي

مذكرات سائحة (7) | استعمار النفوس

image

السلام، الاتحاد، الاعتزاز، مبادئ تبحث عنها في أي بلد تزوره.

في سريلانكا ستدرك حجم تمسكهم بمعتقداتهم وأنت ترى صور آلهتهم في كل حدب وصوب، ويتخذون منها نوعا من الفن الذي يزينون به جدرانهم ولوحاتهم وحتى أقمشة ثيابهم.

ستدرك حجم تمسكهم بالتقاليد وأنت ترى النساء يرتدين الساري حتى في حفلات زفافهن.

ستدرك حجم اتحادهم وأنت تراهم أجناس مختلفة تعيش في سلام، وستعرف شدة ولائهم لحاكمهم وأنت ترى تكرر صوره في كل إعلان، في كل زاوية صغيرة أو كبيرة.

وسريلانكا بالمناسبة بلد خضعت للاستعمار البريطاني قرابة الـ 130عام ثم دخلت في حروب أهلية لم تنتهي إلا منذ أعوام معدودة.

وصلنا إلى أحد الفنادق، واستقبلونا بأسلوب خاص يختلف تماما عن بقية الفنادق، شعرت بشيء من الراحة وأنا أتأمل لوحاتهم التي لم تكن من بينها صورة البوذا ولا آلة الهندوس، يبدو المكان معتادا كما لو كنت في فندق من فنادق دبي، ولكنه شيء غريب، فالأمر لم يقتصر فقط على مجرد لوحات، بل كافة التفاصيل، الأثاث، المقاعد، وحتى الموسيقى! إنهم لا يظهرون هويتهم كما الفنادق السابقة، لا أرى عاملة ترتدي ساري، جميعن يرتدين تنانير قصيرة وقمصانا رسمية.

والأكثر دهشة أن فوق طاولة الحساب تُعلق لوحات للعائلة الملكية البريطانية!
سألهم أبي: ما هذا؟ أين هي صورة حاكم هذا البلد؟
-المعذرة يا سيدي هذا فندق بريطاني.
-وإن كان، الاحتلال البريطاني انتهى !

سكتوا ولم يجيبوا.

الاستعمار له مخالب، يغمسها في عقول المُستَعمرين، حتى يروا أن التمسك بآثاره تحضر!

جميع العاملين في الفندق سيلانكييون يرتدون البدل الرسمية، البنطال، القميص، ربطة العنق، المعطف، إلا عمال النظافة فهم وحدهم يرتدون قميصا مرتبا ولكن مع إزار!

أليست هذه من تسربات الاستعمار؟ المستعمرين البريطانيين لابد أنهم اتخذوا السريلانكيين خدما لديهم، وهؤلاء الخدم كانوا يرتدون ثيابهم البسيطة المتوفرة لديهم، وصارت هذه علامة عليهم..

دخلت إلى الغرفة، واتجهت إلى الطاولة أضع حقيبتي فإذا بكتاب على الطاولة، شهقت شهقة كبيرة! ما هذا! إنجيل!!!

طبعا، ما كان علي أن أبدي كل هذا التعجب وأنا أعلم أني في بلد متعدد الأديان ويعطي حرية في ذلك، ولكني نسيت، ولأنها المرة الأولى التي أرى كتابهم على الحقيقة ولم أتوقع أن تحصل..ولأني أظن أن هذا الكتاب وضع بأمر شخص من خارج بلدهم، لا من معتنق مسيحية في البلد ..أي بقصد التبشير وهم لا يلقون بالا..

وبالمناسبة، فإن المستشفيات جميعها هنالك يرمز إليها بالصليب الأحمر، وكأن الصليب هو علامة الشفاء عندهم! ولما قال لنا المرشد السياحي أن العلاج مجاني للجميع مواطنين وزوار، شعرت أن ذلك يعود لعمليات تبشير سابقة.

في آخر محطة لنا في العاصمة، حجزنا فندقا من خمسة نجوم، وكان بالنسبة لنا لا يستحق نجمة واحدة، والسبب… لا خراطيم مياه للغسل بعد قضاء الحاجة! (أعزكم الله) وكان هو الفندق الوحيد من بين الفنادق التي زرناها بهذا المنطق على أن بقية الفنادق كانت من نفس المستوى أو أقل بدرجة.. وهذا ما يسمى التقليد الأعمى..

مشكلتنا الكبيرة الغباء، ولا أقول مشكلتهم فنحن العرب لسنا ببعيدين عنهم.. عندما نريد أن نتقدم في مجال ما، فإننا ننقل تجربة الآخرين بحذافيرها، بإيجابياتها وسلبياتها.. ولا نقول نأخذ الجيد ونطوره ليتماشى مع تقاليدنا واحتياجنا ونتخلص من أخطائهم فنكون الأفضل..كلا بل إننا ننقل فقط..

مذكرات سائحة (6) | في الجنة ما لا عين رأت

image

 

دخلنا إلى الحدائق ورأيت النباتات الغريبة، أشجار ضخمة يبلغ عمرها من السنين فوق المئة، جذورها الضخمة تظهر كعروق فوق الأرض، أو عتبات في الطريق.
أزهار بأشكال غريبة، منها ما يتدلى من الشجر وأخرى ورود، وإذا قلت هذه الزهرة أعرفها، فإني أجدها بلون لم أعرفه من قبل إلا بالفوتوشوب. وأرى أنه من المدهش أن يكون هنالك انتشارا واسعا للأزهار الزرقاء والقرمزية والبرتقالية، والأكثر دهشة أن أرى زهرة يمتزج فيها لونان كالأصفر والأزرق!
ومن النباتات ما لا أعرف ماهيتها، أهي تصنف كأزهار أم ماذا؟ عيدان تخرج منها خيوط ناعمة كأنها فرو، تشبه بعضا من ألعاب الصغار ومستلزمات التزيين، وأخرى مخملية تماما إذا لمستها لا أجد بينها وبين قماش المخمل فرق.
ومن الأعشاب ما يشبه نباتاتنا الصحراوية، مظهرها غير مثير للاهتمام، ولكن بمجرد لمس أوراقها تجف وتتكمش وتصبح أعوادًا سوداء متفحمة، ذلك بسرعة فائقة كسحر وهو ليس بسحر ..ثم إنها بعد خمس دقائق تعود كما كانت خضراء متفتحة.
وأخرى تختلف تماما عما تعودت عليه من النبات -سبحان الله- تبدو أوراقها كأنها بلاستيكية! تشك أفيها تدخل الإنسان أو أنها طبيعية؟ وهي طبيعية تماما.أما الفواكه وما أدراني ما الفواكه، ثمار لم أعهد أن أراها بهذه الضخامة والألوان، إجاص عملاق، موز أحمر، أنانس أحمر، وأنواع أراها أول مرة، لم أعرف بوجودها، ولا حتى تخيلتها.
قلت لأبي: إني لأرى هذا كله لأول مرة في الدنيا وأنا مندهشة.. فكيف بالجنة التي فيها ما لا عين رأت لا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر؟!

مذكرات سائحة (5) | بين جنة الدنيا وجنة الآخرة

إذا كانت هذه هي جنة الدنيا فكيف بجنة الله في الآخرة؟
في صباح ثاني يوم لنا في المنتجع، وعقب تناول وجبة الإفطار كنت أجلس وحيدة في صالة الاستقبال وحيث يجتمع أغلب مقيمي المنتجع، قابلت خالة سعودية بادرت إلي تلقي السلام وتتعرف، طلبت منها الجلوس ودارت بيننا أحاديث ودية، وكانت إنسانة في قمة الروعة والرقي ثم شاركتنا ابنتها الجلسة.
حكتا لي كيف قضوا ليلة البارحة بلا نوم بسبب الوزع، وأنهم ينوون مغادرة المنتجع لعدم الارتياح، كما حكتا لي عن تجربتهم والأماكن التي زاروها..
ارتحت لهما، وقد كان حديث الخالة لا يخلو من الذكر والتأمل، فجذبني من كلامها قولها: “زرنا منطقة تسمى جنة الدنيا والطريق إليها جد خطير، منحدرات وشارع يقسم الظهر، كنت أقول هذه هي جنة الدنيا لكي نصل إليها نعرّض أنفسنا للمخاطر والمهالك، وجنة الله تشترى في بيوتنا بذكر وقرآن آمنين مطمئنين”
فلنتأمل كيف فتح الله علينا أبواب رحمته ويسر علينا عبادته في الرخاء..لكننا نقابل ذلك بالتكاسل والانجراف نحو المعاصي..
ذكرني حديثها بما يقول أبي دوما
في الدنيا أشجار كثيفة كل منها أكبر من الآخر، جبال لا تعرفها من شدة اخضرارها، وماء يجري كجدول أو نهر .. ولكن سلّم لي على الحشرات والوحوش..
لابد من منغص، فما كان الله ليضع جنته في الدنيا..
وحدها الجنة الحقيقية هي التي تخلو وتصفو من أي منغص أو خطر..