مذكرات سائحة (7) | استعمار النفوس

image

السلام، الاتحاد، الاعتزاز، مبادئ تبحث عنها في أي بلد تزوره.

في سريلانكا ستدرك حجم تمسكهم بمعتقداتهم وأنت ترى صور آلهتهم في كل حدب وصوب، ويتخذون منها نوعا من الفن الذي يزينون به جدرانهم ولوحاتهم وحتى أقمشة ثيابهم.

ستدرك حجم تمسكهم بالتقاليد وأنت ترى النساء يرتدين الساري حتى في حفلات زفافهن.

ستدرك حجم اتحادهم وأنت تراهم أجناس مختلفة تعيش في سلام، وستعرف شدة ولائهم لحاكمهم وأنت ترى تكرر صوره في كل إعلان، في كل زاوية صغيرة أو كبيرة.

وسريلانكا بالمناسبة بلد خضعت للاستعمار البريطاني قرابة الـ 130عام ثم دخلت في حروب أهلية لم تنتهي إلا منذ أعوام معدودة.

وصلنا إلى أحد الفنادق، واستقبلونا بأسلوب خاص يختلف تماما عن بقية الفنادق، شعرت بشيء من الراحة وأنا أتأمل لوحاتهم التي لم تكن من بينها صورة البوذا ولا آلة الهندوس، يبدو المكان معتادا كما لو كنت في فندق من فنادق دبي، ولكنه شيء غريب، فالأمر لم يقتصر فقط على مجرد لوحات، بل كافة التفاصيل، الأثاث، المقاعد، وحتى الموسيقى! إنهم لا يظهرون هويتهم كما الفنادق السابقة، لا أرى عاملة ترتدي ساري، جميعن يرتدين تنانير قصيرة وقمصانا رسمية.

والأكثر دهشة أن فوق طاولة الحساب تُعلق لوحات للعائلة الملكية البريطانية!
سألهم أبي: ما هذا؟ أين هي صورة حاكم هذا البلد؟
-المعذرة يا سيدي هذا فندق بريطاني.
-وإن كان، الاحتلال البريطاني انتهى !

سكتوا ولم يجيبوا.

الاستعمار له مخالب، يغمسها في عقول المُستَعمرين، حتى يروا أن التمسك بآثاره تحضر!

جميع العاملين في الفندق سيلانكييون يرتدون البدل الرسمية، البنطال، القميص، ربطة العنق، المعطف، إلا عمال النظافة فهم وحدهم يرتدون قميصا مرتبا ولكن مع إزار!

أليست هذه من تسربات الاستعمار؟ المستعمرين البريطانيين لابد أنهم اتخذوا السريلانكيين خدما لديهم، وهؤلاء الخدم كانوا يرتدون ثيابهم البسيطة المتوفرة لديهم، وصارت هذه علامة عليهم..

دخلت إلى الغرفة، واتجهت إلى الطاولة أضع حقيبتي فإذا بكتاب على الطاولة، شهقت شهقة كبيرة! ما هذا! إنجيل!!!

طبعا، ما كان علي أن أبدي كل هذا التعجب وأنا أعلم أني في بلد متعدد الأديان ويعطي حرية في ذلك، ولكني نسيت، ولأنها المرة الأولى التي أرى كتابهم على الحقيقة ولم أتوقع أن تحصل..ولأني أظن أن هذا الكتاب وضع بأمر شخص من خارج بلدهم، لا من معتنق مسيحية في البلد ..أي بقصد التبشير وهم لا يلقون بالا..

وبالمناسبة، فإن المستشفيات جميعها هنالك يرمز إليها بالصليب الأحمر، وكأن الصليب هو علامة الشفاء عندهم! ولما قال لنا المرشد السياحي أن العلاج مجاني للجميع مواطنين وزوار، شعرت أن ذلك يعود لعمليات تبشير سابقة.

في آخر محطة لنا في العاصمة، حجزنا فندقا من خمسة نجوم، وكان بالنسبة لنا لا يستحق نجمة واحدة، والسبب… لا خراطيم مياه للغسل بعد قضاء الحاجة! (أعزكم الله) وكان هو الفندق الوحيد من بين الفنادق التي زرناها بهذا المنطق على أن بقية الفنادق كانت من نفس المستوى أو أقل بدرجة.. وهذا ما يسمى التقليد الأعمى..

مشكلتنا الكبيرة الغباء، ولا أقول مشكلتهم فنحن العرب لسنا ببعيدين عنهم.. عندما نريد أن نتقدم في مجال ما، فإننا ننقل تجربة الآخرين بحذافيرها، بإيجابياتها وسلبياتها.. ولا نقول نأخذ الجيد ونطوره ليتماشى مع تقاليدنا واحتياجنا ونتخلص من أخطائهم فنكون الأفضل..كلا بل إننا ننقل فقط..

اترك رد