في علم الإلكترونيات قاعدة ثابتة هي أن الآلة الرقمية في وضعها الطبيعي لا تنفذ إلا أمرا واحدا في الزمن الواحد، فهي تقوم بعمليات متتابعة خطوة بخطوة، أمر يتبعه أمر، ولا تزامن في تنفيذ أمرين، وإن ما نراه من التزامن على الحقيقة في عرض النواتج ما هو إلا خدعة بصرية نتيجة السرعة الفائقة، وهذا في معالج الواحد.

والأجهزة ككل تتعامل مع لغة واحدة ليس فيها إلا خيارين هما واحد أو صفر..تشغيل أو إيقاف، وككلمة أقرب للواقع “نعم” أو “لا”. فإذا كنت تعمل على تصنيع آلة رقمية، فأنك ستكون بحاجة إلى اختراع شفرة معقدة مستخدما الـ “نعم” و “لا” حتى تخرج بالنهاية بالناتج الذي تريد.
فإذا أردت أن تقول نعم وكانت عندك شروط معينة واستثناءات فإنك بحاجة إلى أن تقول لا ولا ولا ولا مرارات وتكرارا قبل أو بعد أن تقول نعم.

وفي العالم الرقمي لا تستقيم الحيادية، أو أن تفّهم الآلة بشكل مباشر أن هذا القرار قد يكون صائبا أو قد لا يكون، ولا تستطيع أن تعطيها حرية الاختيار أو استحداث أمر جديد غير مبرمج بناء على تغيير الأحوال، لا تستطيع أيضا أن تخبرها بعملية واحدة أنه يمكن أن يكون وبشكل منطقي هذا الجواب يحتمل كل الخيارين.

ومقارنة بدماغك البشري، فأنك ستندهش من بديع صنع الله فيه وستحمده مرارا وتكرار أن وهبك عقلا قادرا على الاستيعاب بذاته (بل بفتح الله عليه)، وتلقي المتغيرات، واستحداث قرارات جديدة من غير تلقين. فعقولنا البشرية، فوق “النعم” و”لا” لديها “لكن” و”لأن” و”أيضا” وأكثر من ذلك.. فنحن نستطيع أن نستوعب بلا تعقيد أن هذا الأمر سليم ولكن فيه شروط، أو أنه غير صحيح بسبب كذا وكذا، أو أن هذا بالإضافة إلى ذلك كلاهما صحيح. أو أن نترك الأمر مفتوحا ونقول فيه سعة، وما زال التفكير فيه مفتوحا والبحث جاريا.

وهذا التباين الكبير جدا بين الدماغ الآلي والدماغ البشري يورثنا أهمية احترام النعمة، واستخدام إمكانياتها بالوجه المطلوب، فالعجب من فئات من الناس لم تحترم أن لديها هذا العقل الخارق فقصرت حياتها بين الـ “نعم” والـ “لا” فتسمعها عندما تقرأ كلمة “لا” تولول و عند “النعم” تبلبل.

ولك في عين الفتاوى وتعامل الناس معها أحد الأمثلة..

فلان أفتى بـ لا!
فئة قالت: ويله متشدد متغطرس لا نأخذ منه بعد اليوم.
وأخرى قالت: قال فلان لا، يعني لا، يعني الـ “لا” على العموم ، فمن يخالف هو مخالف..
وما قرأوا ما أدلى فلان من شرح وفيه الأدلة ولا فهموا ما كان يقصد وما قرأوا ما أدلى من استثناءات وربما تبيان أن هذه الفتوى لحالة فردية.

فلان أفتى بـ نعم،
فئة قالت: متبع الهوى، تباً ليس أهلا للفتوى.
وفئة قالت: هيا تعال واحتفل فلان قال نعم، ليس لأحد أن يكلمنا بعد اليوم.
وما قرأوا ما أدلى من شروط ووجوه وربما ما يعكس الفتوى.

سأل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها، فقيل له: إنك تخالف أباك.
قال: إن أبي لم يقل الذي تقولون، إنما قال: “أفردوا العمرة من الحج”. فجعلتموها أنتم حراما وعاقبتم عليها وقد أحلها الله عز وجل وعمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أكثروا عليه قال: أفكتاب الله أحق أن يتبع أم عمر؟ (1)
وكان مراد عمر من قوله: “أفردوا العمرة من الحج” أن لا يعرى بيت الله عن العمرة في يوم من أيام السنة، فإن الناس كانوا إذا خرجوا إلى الحج يعتمرون مع الحج وهي المتعة، وبعد ذلك لا يأتون إلى بيت الله.

ومن الأمثلة التي تعصف بنا أن نقول فلان مرتكب معصية، ففي نظرنا أن فلان رجل سيء حتى لو أن لديه من الحسنات ولم تكن المعصية كبيرة، وقد عُلّمنا أن الحب في الله والبغض في الله، فإن كان في الله لأحببناه لطاعته ولأبغضناه بمقدار معصيته.

ومن الأمثلة، فلان أخطأ فهو لا يصيب بتاتا، ولو كان حتى أدلى في مجال غير المجال الذي أخطأ فيه، وحتى لو كان ذلك بعد عشرين سنة، فهل فلان لا يفقه شيئا على الإطلاق وهل فلان لا يتغير؟

ومن الأمثلة، في طلب العلم أوالعمل عندما يقول لك المعلم أوالمدير “لا” (لأن ولأن ولأن)، وثم لا تكون (لأن ولأن ولأن) منطبقة في الوقت الراهن فهنا المجال للاجتهاد، والقضية قضية الفهم.

ومن الأمثلة، أن كون فلان ضمن فئة معينة من الناس يعني أنه لا يمكن أن يكون مع غيرهم. وعلى قول القائل: “من لم تكن معي فهو ضدي”
والحقيقة أنه يستقيم أن يكون المرء مع من لا يشاركه الرأي، وإلا فما معنى الأخوة في الدين؟ وإلا فهل من الدين التحزب والتعصب؟

عن ابن عباس أن عمر قال لناس من قريش: “بلغني أنكم تتخذون مجالس لا يجلس اثنان معا حتى يقال من صحابة فلان من جلساء فلان حتى تحوميت المجالس وايم الله إن هذا لسريع في دينكم سريع في شرفكم سريع في ذات بينكم ولكأني بمن يأتي بعدكم يقول هذا رأي فلان قد قسموا الإسلام أقساما أفيضوا مجالسكم بينكم وتجالسوا معا فإنه أدوم لألفتكم وأهيب لكم في الناس” (2)

ومن الأمثلة، القوانين الوضعية التي لا تحترم فروقا ولا أحوالا ولا أعرافا. فالسارق عندهم جزاؤه كذا ولو سرق بسبب المجاعة.

إننا بحاجة إلى أن نفكر كـ بشر، ونرى الآخرين بشر، ونفتح مصابيح الفكر، فما عاد نوم العقول مقبولا ..

ـــ

(1) سنن البيهقي وقال الألباني في مقدمة صفة الصلاة (رجاله ثقات)
(2) تاريخ الطبري