بعض من ذاكرتي هنا،

 

ذات صباح، وإذا بقايا الذكريات تجتاح الخفوق..تنساب مع قطرات الوجد وتبقى حبيسة التفكير.. أبت النفاذ إلا مع سيل القلم.

*تحذير: هذه التدوينة مشوبة جدا وبشكل كبير بمشاعر سيئة تراكمت في عهد الطفولة، لكنها الآن ممحوة من القلب تماما عدا واحدة ما تزال تتذبذب. تم تسجيلها كحماقات طفولة لكنها تحمل تجارب ومشاعر أنصح التربويين وبشكل كبير بالاعتناء بها.

ذات ذكرى.. عن طفلة جميلة صغيرة السن والحجم درست معي في صفنا الأول، كرهتها لتطابق اسمينا معا.. ولأنها الأولى.. ولأنها الصغيرة والمحببة.. ولأن المعلمة كانت تحملها .. ولأن الكل يهتم فيها في حين كنا جميعا في الحضيض في مدرسة يفترض أنها من الطراز الراقي، لأننا دفعنا أموالنا لوجودنا، ولأن ساحتها مغلقة مكيفة وثيابنا راقية، ولأن فيها حديقة كبيرة وحيوانات وألعاب.

كرهتها وأنا أرى المعلمة تحملها من على الأرض وتضمها كطفلة ذات أعوام ثلاث، وكرهتها لأنها لم تذق طعم العصا الخشبية الطويلة التي نذوق منها يوميا من معلمة شمطاء ساقطة فاشلة ضربت الفصل كله ذات يوم ما عداها هي وصديقتها والفتى المشاكس لأنهم حفظوا النشيدة!

ما ذنبي يا سيدتي إذا أمي لم تحفظني وأنا صغيرة العقل أن أضُرب؟

أدركت من كرهي لها (الفتاة) أنها “سالي” لكني رغم كرهي لم أكن “لافينيا” كنت الفتاة الصامتة الغائرة خلسة التي لم تبدي أي عدوان..

 ضحكتُ يوما على امرأة خلتها أمها جاءت لتطالب المدرسة معلمين وإدارة بالعُشر الذي سقط من ابنتها ذات نسبة 9.99 مفترضة استحقاقها المئة! (لا تصدقوا، تخيلات طفلة فحسب)

نادتني يوما في الحديقة “سالي” تعالي نلعب، سأركض وتطارديني.. ركضت وراها تتغلل في قلبي الهواجس، أريد أن أمسكها لعلي أظفر بها، انتصر عليها في شيء واحد على الأقل.. وعندما عجزت.. قالت: “أنا أصغر منكِ ولم تستطيعي الامساك بي ليليلاه!”

أصغر مني.. أجمل مني.. أبرع مني.. والمتفوقة.. والمحفوفة.. التي تمتلك مثل اسمي يذكرها الجميع وينسون اسمي..!

الحقيقة، هو لم يكن كره.. وقط لم يكن كذلك.. لأننا صغار لم نكن نعرف الكره، ولأنها لا تستحق الكره أصلا فما أطيبها وأعذبها، ولكنها كانت غيرة، مجرد غيرة نشأت من نظام تعليمي فاشل.

*

يوم أن قررت أمي نقلي من تلك المدرسة الفخمة الهاوية إلى مدرسة حكومية ترتدي الفتيات فيها الأخضر، فيها ساحة مكشوفة مظلل منها الربع. ومبناها قديم.

 ألقيت نظرة عليها يوما قبل الانتقال وكان ذلك بعد أن انتهى الدوام وحشود من الطالبات متجمعة متضاكة كيوم حج عند بوابة زجاجية مغلقة تماما كسجن تم حشد البائسات المغلوبات على أمرهن وهن يتدافعن حتى الباب في مكان غير ملائم للتنفس ينتظرن متى يؤذن لهن بالخروج..

 البؤس هذا لم يرق لي أبدا وأنا ابنة العز التي درست في مدرسة خاصة، مغلقة مكيفة، ذات هندام أنيق ! ورغم محاولاتي الشتى في ثني أمي عن قرارها في نقلي.. وضعت في الأمر الواقع.

 انتقلت إليها ولبست الأخضر، ولم ألاحظ ثمة بأس كبير، كان في فصلي جهاز كومبيوتر وتلفاز! رغم قدم المدرسة، ورغم أنها “حكومية” شعرت حينها بأن بالعز الحقيقي الذي لم أشعره يوما في تلك المدرسة (والتطور)، رغم أننا لم نستخدم الجاهزين ولم نستغلهما باللعب حتى.

 في تلك المدرسة وجدت من يهتم بي ويعزز مواهبي ويحقق لي ذاتي ويشعر بوجودي، ويساعدني في تحسين علاماتي وتقوية دراستي على عكس المعلمة الشمطاء السابق ذكرها، كانت فوق أن تضربني بالعصا تهزئني أمام الجميع!

فعندما طلبت يوما جملة مفيدة فيها اسم “أحمد”، كتبت: “أكل أحمد التفاحة” استهزئت بي أمام الجميع قائلة:

 “أهذه جملة مفيدة؟ أين وجه الفائدة منها؟؟!”

منذ ذلك اليوم وحتى اليوم وهي في نظري مفيدة جدا كافية كجواب على السؤال! وإلى حد الآن لم أفهم لماذا لم تعتبرها إجابة صحيحة، وما هي الجملة المفيدة في نظرها!

“أكل أحمد التفاحة” جملة افتخرت بها، وشعرت أن ايجادي لها انجاز بحد ذاته فلم آبه بقولها المكسور.

*

كنت آمل أن عهد الضرب قد ولى في مدرستي الحكومية، ولكني اكتشفت أن مديرتنا متحجرة.. رأيتها يوما تعاقب فصلا بأكمله بعد الطابور بما فيه من مذنبين وبريئين! كانت أياديهن مرفوعة كمن استسلم في الحرب وانساق أسيرا..لكني كنت أراهن كم حكم عليهن بالإعدام وهن بانتظار تطبيق الحكم.

منظر في غاية الترويع لأطفال يفترض أن يكونوا ما يزالون في البيضة، لكن البيضة كسرت من هول المصائب التي عاشتها طفولتنا.

يوما وقع غضب المديرة علينا لأننا لم نجلس في فصلنا وقت الفراغ، جاءت إلى فصلنا ثم كلفتني بكل بجاحة بأن أبحث لها عن عصا لتضربنا.. وكنت كما المجنونة سعيدة بأن لي الفضل في خدمة سعادة المديرة!، انساق من فصل إلى فصل ومن معلمة إلى معلمة باحثة عن عصا كأني لا أدري ماذا وراء تلك العصا، فلما أحضرتها بدأت الضرب فيّ أولا ثم انتقلت للبقية !

يريدوننا كأفراخ الدجاج البائسة نحكر في حجرة ضيقة نغلق على أنفسنا الباب والنوافذ في وقت غياب المعلمة، يتحول الفصل حينها حجرة لعب وأغاني وتكسير للطاولات لنخرج ببعض الإصابات.. أهم شيء أن لا نخرج من الفصل حتى تظهر المدرسة في صورة كاملة منظمة ليس فيها خلل؛ خوفا من زيارة مفاجأة من مسؤول يسأل: ” ما بال الطالبات في الساحة في غير وقت الاستراحة !”

ما ذنبنا كطلبة أن تحجر عقولنا وتكتم أنفاسنا وتضيق نفوسنا كي لا يظهر تقصير المدرسة؟!

*

 في يوم مثيل خرجنا عن القانون مرة أخرى.. أعني خرجنا من وكر الدجاج إلى الهواء الطلق نلعب في الساحة تحت الشمس الحانية و ألوان من فرحة الطفولة والمرح تنبعث من عيوننا.. حتى جاءت الإخصائية بكل حمق و رعب ترسم على وجهها الغضب، كأنها تتوعد بالويل بأن تبني بيوتنا بالشمس (كما كانت تقول جدتي على سبيل التهديد)، حملت مسطرة بيدها تضرب فيها الواحدة تلوى الأخرى.. حينها لم أكن بينهن كنت ما أزال خارج الفصل عائدة بعبوة ماء بارد، حين رأيتها تدخل فصلنا تجمدت لم أعرف ماذا أفعل أين أنجو بنفسي.. كنت أرقب الصديقات في الفصل كل واحدة واقفة في محلها عابسة ووجهها أحمر..ولأنني شجاعة.. لم أشأ الهرب.. ولأنني شجاعة سأواجه الموقف بصلابة (غباء الطفولة)

توجهت إلى الفصل أخذت مكاني بسرعة، ولم تنتبه علي الإخصائية ولم تشعر بتسلسلي وهي منهمكة في الضرب بالجهة المقابلة، وعندما أرادت الخروج وقع نظرها علي فتوسعت عينها كأنها قفزت رعبا واضطربت شكا في أمري، وبينما كاد قلبي يوقف رعبا شعرت أنها ستهم بالتوجه إلي، لكنها ثبتت في مكانها وخرجت، فكأنها شكت هل ضربتني أم لا ولكنها كذّبت عقلها ونجوت أنا الشجاعة!

الموقف لقي حفاوة كبيرة من زميلاتي! فكل واحدة كانت تغبطني على هذه النجاة.. ثم يتناولن عبوتي الباردة ليبردن على أياديهن الواضح احمرارها.

كانت من بين الفتيات فتاة تدعى ياسمين، كانت جديدة تجلس منعزلة بهدوء تام.. لقد اشفقت عليها، هي ليس لها ذنب أن تضرب! كان أجدر أن أضرب أنا بدلا عنها.. من باب فاق المواساة والاعتذار قدمت إليها علنبة الماء كي تبرد بها يدها المتوجعة.

المهم، جميعنا تعلمنا الدرس وأصبح خروجنا من الفصل وقت الفراغ أقل مما سبق.. لكن ياسمين أخذت على الجو وصارت هي التي تخرج علنا للعب وتدعوا شلتها إلى ذلك. !

اترك رد