أرشيف التصنيف: حديث الخاطر

يا ريح الجنة شواقًا إليكِ..

 

 

سأغفو على حلم عذب نقي أنقى من ماء الزهر، له رائحة لم يعرفها الدابون على الأرض، عرفها الشهداء في الأعلى ولربما وجد منها أهل القبور..
حلم, سيأتي يوما حقيقة، يوقن أكثرنا به..و كثيرون يريدونه لكن لم يعملوا بعد من أجله!

الجنة..هي الأمنية التي ما أن نذكرها كأن قلوبنا تتنازع محاولة الفرار من بين عظامنا ولحمنا، وما سيكون يوما رفاتنا.. إنها تحاول الفرار محلقة، إلى أعلى ..فأعلى..إنها تحاول أن تستقر هنالك .. فقط بالجنة..
لتكتسي بها حلة جميلة نظيفة بيضاء ناصعة، ينتهي عندها عهد العري المعهود في الدنيا فتكون في الجنة طاهرة مجنبة كل قبح، كل بغض، كل حقد، كل غيرة، كل خصام وشقاق، وكل الذنوب والآثام..

في الجنة كل شيء موصوف بالنقاء، فهو طهر ليس له مثيل..ما أن نضع قدمنا لأول مرة فننبهر بالجمال الذي لم تراه عيوننا ولم تسمع به أذناننا ولم يخطر يوما على أذهاننا..

في الجنة الحرية، والسلامة والأمن.. في الجنة لا حرب.. لا غضب، لا موت… لا دماء ..

الجنة أمن وأمان، حب ووئام.. أنس وراحة.. فرحة وبهجة.. لا حزن لا ألم..

لا نحيب.. ولا بكاء..

في الجنة أشدو مع العصفور، أنافس النسيم..أدلل حصاني الطائر.. أركب السماء، أحلق عاليا.. عاليا.. عاليا

في الجنة، أمشي دون أن أخاف الخطر..وأقفز دون أن يعتريني الخجل!.. ولا أخشى ملامة ولا حديث البشر..

لأن الجنة طهر فقط..وطهر فقط,,وطهر فقط..

في الجنة، الأنبياء!

وقد علِمنا بيوتهم.. فأرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأقبل رأسه أمسح على قدميه..

أتعرف الأنبياء جميعهم، من عرفتهم في القرآن ومن لم أعرفهم.. وأطلب منهم حكي الحكايا..

في الجنة سأجتمع مع أم المؤمنين خديجة، وسأضم عائشة وأدعو جميع أمهات المؤمنين إلى قصري -بإذن الله-

في الجنة، مريم بنت عمران، وآسية وهاجر وسارة.. وماشطة بنت فرعون..سألتقيهن.. سأخبرهن كم أنا غارقة بحبهن.. كم تمنيت أن أكون مثلهن..

في الجنة لذة أعظم وأكبر من كل هذا وذاك، وجمال أكبر وأجل..وهي الهدف الحق.. وهي الأمنية العظمى..إنها عند لقائه وكشف حجابه.. فننسى كل ما حولنا من نعيم بمجرد النظر في وجهه، إنه العظيم الجميل..

 

 

 

فكأنما حيزت له الدنيا

قالت وهي تجلس في المقعد المقابل: “نحن الفلسطينيون شعب كُتب عليه المعاناة و الحمد لله موقنون أن من كتبها عليها لن ينسانا”

أدمعت عيناي و هي تسرد الابتلاءات المتواصلة و تقول:

“مرت علي أيام لا أجد فيها اللقمة لأضعها في فيّ أبنائي, أقول لأبوهم أفعل شيئا الأولاد لا يقولون لك لكنهم يأكلون قلبي أنا فحسب بتكرارهم أمي نريد أن نأكل, متى نأكل يا أمي؟, يأخذ أبوهم مصحفه و يدخل في غرفة غالق على نفسه و تتكالبني الهموم.

رفعت سماعة الهاتف أطلب أبي فلما رن, أغلقته, خجلت, تعففت. لم أجد حينها إلا أن أتصل بأختي التي تمون علي, قالت وهي تعاتبني: تمرون بهذه الظروف ولا تخبريني وأنا أختك, مالي مالك, ولا أبخل عليكِ به

أرسلت ابني مسافة ساعة سيرا ليأخذ النقود من خالته ثم يشتري لنا بها بعض الاحتياجات, فوجدت أبي قد اتصل علي, فعلمت أن أختي أبلغته, طلب مني أن أزوره فقلت له حاضر.

بينما كنت في زيارته, أخذني إلى مكان بعيد كي لا تسمع أمي الذي تعاني الضغط و السكر, وقال: يا بنيتي, أتطلبين من أختكِ وأنا أبوك في عافيتي؟ والله لو أنها لقمة لقسمتها بيني وبينك.

حضنني و دخل في بكاء عميق..

أثناء تسوقي في اليوم التالي صادفته، فأخذ وجهي بالتلون وهو يضع لي حاجات فوق التي أطلبها في سلة التسوق ويصر على دفع الثمن، قال لي: يا بنتي اليوم أنا بخير، غدا قد لا أكون.

وما هي إلا شهور، ودخل والدي في عملية قلب مفتوح، كان قلبي غير مطمئن أبدا و حصل ما توقعته، رحل..

كان إدخال جثمانه إلى غزة قصة طويلة و مأساة، لدرجة أن الناس ظنته شهيد و أخذت تهتف في الجنازة به كشهيد. وكنت أقول: وهو المغترب عن دياره كشهيد بين أحبابه.”

انتهى لقاؤنا معها، وأنا أعاتب نفسي لكم تطاولنا على النعم و قصرنا في الحمد.. نعم سابغة أنعمها الجليل علينا حُرم منها الكثير..

قال صلى الله عليه وسلم: “من أصبح منكم معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا”

الكلمة الطيبة أعجوبة

ممتلئة، الكلمة الوحيدة التي استطيع وصفها فيها، ممتلئة بماذا؟ بالكثير..  ربما بالمشاعر المختلطة التي يصعب استكشافها.. ربما بهموم العيش المتراكمة وإجهاد العمل، ربما بذرات الهواء الذي تستنشقها بين الفينة و الأخرى لتعيد شحن طاقتها لتستمر بالصمود، إني لأجس ذلك من ملامحها التي لا تكاد تتغير، وجه أبيض مستدير، عينان ضيقتان، ابتسامة عجيبة لا تكاد تختفي..

أراها بإيجابية بالغة تتعامل مع الوضع.. لا تتأفف، تبدو سعيدة جدا جدا.. رأيت عليها وميضا من أخلاق المسلمين.. غير أنها ليست مسلمة للأسف..

في ركن صغير من مطعم الجامعة، تتجمع الطالبات لتعد لهن شطيرة (ساندويش) محشو حسب الطلب..

-التالي رجاءً..

تخرج الرغيف بالمواصفات المطلوبة بالسكين الكبيرة تشطره، لتحشوه حسب ما ستملل عليها الزبونة، وبدقة كبيرة واتقان حاذق.. تتأكد أن كل شيء جيد، الرغيف ليس باليا والحشوة التي عادة ما تكون كثيرة محشوة بشكل جيد والرغيف مغلق عليها بإحكام..  لتضعه في قلب الجهاز التحمير (الشواية).. لتخرجه وتقسمه إلى نصفين. ثم تخرج منديلا وترفع سلة النفايات لتزيل ما تبقى من آثار الرغيف فيعود المكان نظيفا لاستقبال الطلب التالي، وتنادي: التالي رجاءً..

تتكرر العملية في اليوم أكثر من مئة مرة، وتبقى بهدوئها التام وهي توقن أن الكلمات التي تدار حولها بلغة تجهلها ما هي إلا تعليقات ساخطة على أدائها: “بطيئة” “أف” “وبعدين” “خلصينا”

أنفاس التعب تكاد تخرج غير أنها لا تظهر أي شيء، إنها فقط مبتسمة، كأنها تقول في قرارة نفسها: أنا الأفضل، أنا الأحسن، لن أستفيد من إظهار الضجر، وعلي أن لا أخسر الزبائن.

أتوقعها قد حفظت أشكال عدة ترتاد إليها، غير أنها مبرمجة على تطبيق ما يطلب منها دون زيادة أو نقصان ولا أحاديث أخرى. وقفت قليلا قبل أن تقول التالي رجاء توجه بصرها إلى مكان بعيد، كأنها تنتظر أحدا، كأنها تتأكد من شيء ما.. أتوقع أنها بذلك تتظاهر لتأخذ نفسا فحسب، وتكسر روتينها لتثبت لنفسها أنها ليست “آلة”

حان دوري بعد انتظار طويل.. التفت إلي وتلك الابتسامة كما هي، ملامحها لم تتغير..

-كيف حالكِ؟

كان سؤالي لها مباغتا وكافيا لتتغير تلك الملامح فتعود إنسانا تعبر عنه ملامحه، ابتسمت ابتسامة ساحرة وأجابت:

-بخير، أنا بخير كثير وجدا..

سريعا ما تغيرت الملامح وأظهرت المكنون..

-العمل هنا شاق ومضني، ونحن يجيب علينا العمل لنعيش ولندرس.. نعمل لندرس، ندرس كي لا نجد عملا..

صعقت من استرسالها كأن السد الذي جثم على فؤادها طويلا انزاح، قد كانت عبارة واحدة سألتها فأغنتني أن أسألها عن المزيد لأجعلها تفضفض.

-الحكومة في بلادنا نهابة، أوضاع العيش سيئة عندنا، لكن الحكومة لديكم جيدة جدا وعادلة.

سعدت بإطرائها هذا ولم أعرف ماذا أجيب.

جرى الحديث بسيط و سريع بيننا، شعرت عندها بسعادة غامرة أن تمكنت أن أترك لي عندها أثر..

في الأيام التي تلته كانت كلما رأتني استبشرت، وكشفت عن أساريرها! كنت أضحك من أعماقي كثيرا عندما ألاحظ أنها تتحمس فجأة وتحرك يدها وتنهي من الطلبات التي تسبقني ليحل دوري سريعا، أو تخطأ في الترتيب فتقدم دوري على الأخريات لأجد من صديقاتي “نغزات” (شمعنا أنتِ !) والأدهى أنها أصبحت تلف الشطائر جميعها بالورق المخصوص لأنني أطلب ذلك منها في طلباتي الخاصة (والصاحبات لا يعجبهن ذلك).

كل ذلك لأني سألتنا يوما فقط “كيف حالك”

الأرواح جنود مجندة

 

التقيت بها هذا المساء، لم تكن أول مرة أراها وتلفت نظري..هنالك شيء متصل شيء ما يربطنا متشابه بيننا تماما كأننا غرباء في عالم ولما القيتها عرفت أنها من عالمي..هل يا ترى تتسائل نفس الأسئلة؟ تفكر بما أفكر..سقطت عيني عليها ثم أشحتها سريعا, لا أريد أن يظهر شيء لا أريد أن أنكشف!

اقتربت مني لتجلس في المقعد المجاور..كنت أعلم أن هذا الصدفة لن تكون محض عادية ولابد أن يكون هذا أول لقاء بيننا.. استفتحتْ عند الجلوس بالسلام..أجل تلك النبرة تخفي شيئا, أنا عند توقعاتي!.. سادني الصمت .سادها الصمت.. لحظات..أنتظر..كلا ستبدأ بحوار, ستقول شيء حتما..إنها تخفي شيئا كما أنا تماما..لحظات..لحظات..أخذت أسرح منتظرة متأهبة, في أي لحظة ستنطق..حسنا.. طفح الكيل..كم أنها تشبهني! يبدو أن كبرياءها يمنعها أن تكون هي المستفتحة يبدو أن علي التنازل.. لابد أن أستفتح أنا..

بدأتُ بسؤال عام، وأجابتني..
قليلا بعد قالت: أشعر أني أعرفك!
ابتسمتُ ابتسامة كبيرة وكدت أن أضحك بدون أن تشعر..
وأجبتها: نفس الشعور!

قال صلى الله عليه وسلم: “الأرواح جنود مجندة . فما تعارف منها ائتلف . وما تناكر منها اختلف” [رواه مسلم]

 

{..ثنيّة (4)

الغرباء إذا التقوا، تتلقي أعينهم تتبع بعضها البعض, تحكي كل واحدة منهن حياة التشابة و الوفاق حتى وإن ساد الصمت..
الغرباء وحدهم يجيدون لغة العيون

ابتلاء

سألتها سؤال كان يجوب في ذهني منذ زمن و رأيت أن قد حانت لحظة الافصاح عنه : ألم تفكري بكتابة قصة حياتك بعد ؟
قالت: “كتبت.. كتبت منذ أن كنت في بطن أمي و لحظة خروجي للحياة إلى نهاية إحدى المراحل, كتبت حياة المآسي و الذكريات و الأوجاع, ولما عرضتها لم يصدقني أحد ! لم يصدق أحد أن من البشر قد يعاني ما لا يعانيه أحد, أن تجتمع أنواع الهموم لديه, أن لا يشاركه أحد… حكاية طويلة خططتها بمئتا صفحة, من يصدق أني حرقتها كلها عند دخولي في مرحلة جديدة ! كنت أظنها حياة جديدة و ذكريات جميلة , حرقتها أملا في نسيان الماضي و فإذا بي أصدم بواقع أسوأ ..”

حينها رددت بصوت خافت: ابتلاء
قال صلى الله عليه و سلم : ” إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده ثم صبره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى”