أرشيف التصنيف: ’فـــضــاء’

#موعظة_الاختبارات

 

 

 

المقيم في عالم التواصل الاجتماعي قد يعيش في الفترة الراهنة تغيرا في الأجواء العامة.

فالطيور المغردة، والمعتكفون على كتاب الوجوه والمندسون في الطرقات، مستغرقون في مناقشة قضية #الاختبارات

أما عن الطائرات الورقية والفقاعات تلك التي تحمل رسائل الأصدقاء قد قلت في الآونة الأخير وانسحب بعض هواتها
وصارت أغلب الرسائل تحمل نصائح أو مراجعات..

فلذلك قررت أن أشارك الأصدقاء جوهم والذي سأعيشه فور انتهائهم وأنشر بعض القصاصات هنا بعنوان #موعظة_الاختبارات

(1)

قال تعالى:
” فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون” سورة العنكبوت, الآية 65

ما أشد شبه الفترة التي نمر فيها بركوب البحر !
البحر سطحه أمواج ورياح، وأعماقه خيرات وأرباح..
واختباراتنا صعوبات وتحديات ومن ثم درجات وشهادات ..

وهي فترة شدة لا ريب، يكثر فيها الطالب من الدعاء سائلا الله التوفيق والسداد..

وبعد أن تمر هذه المرحلة، مؤسف أن منا من ينسى أن يشكر ويولي مدبرا مستكبر..

حري بالمؤمن أن يعرف الله في الرخاء والشدة..
ومن عرف الله في الرخاء عرفه في الشدة…

(2)

كنت في أيام الثانوية قد اشتركت في مسابقة علمية خارج المدرسة، وقد أعدتني المعلمة لذلك. عند باب المدرسة ودعتني متمنية لي التوفيق وما أن أدرت ظهري خارجة نادتني لتلقي على مسمعي موعظة أخيرة:

أكثري الاستغفار إذا استصعبت عليك مسألة فقد قال شيخ الاسلام ابن تيمية:

“والله ما استصعبت علي مسألة فأستغفر الله الفاً او اكثر الا يفتَحُها الله علي”

تركت وصيتها في نفسي الأثر العميق ومازلت أذكرها فيها.

(3)

“أنا بانتظار أن تنتهي الاختبارات حتى انظر في أمور إصلاح نفسي”

من أسوء ما سمعت..وأكذبه..
كيف نجعل الاختبارات ذريعة للتأخر في التوبة ونحن لا نضمن أعمارنا؟
بل إننا بحاجة إلى الاستعانة بالله وتوفيقه خصوصا في هذه الفترة..

الإنسان قادر على أن يضع أكثر من هدف وينشغل بهما في آن واحد..

كم نعاني نحن من تضييع الوقت وتفضيل الراحة وأمور دنيانا على أخرانا..بل نعاني من عقبات وهمية من صنع أنفسنا..

وبالمناسبة، جميع من قالوها انتهت اختباراتهم ودارت عليهم الأيام وإلى الآن ما تغيرت أحوالهم للأصلح..

(4)

ما أتفه اختبارات الدنيا، إنها فقط تحدد مستقبلنا الدنيوي أو قد لا تشكل فرقا.. مع ذلك تهتز أركاننا خوفا وطمعا..

ليت قلوبنا القاسية تلين وتتذكر أنها تعيش اختبارا أكبرا يحدد المستقبل الحقيقي.. مستقبل الخلود..

عجيب أن يكون طموح أحدنا الحصول درجة الامتياز في الدنيا، ولا يكون طموحه من الجنة فردوسها

(5)

الاختبارات تعلمنا الدروس وتهدينا من المواعظ التي تنفعنا في اختبارنا الحقيقي

عندما أدخل على اختبار ويواجهني سؤال متاهة أو يحتاج إلى حل طويل يتسلل إلى داخلي تساؤل..  ماذا لو كان بعد هذا العناء لا شيء؟
لا شيء صحيح وأكون قد سلكت غير ذات الطريق وابتعدت عن الإجابة والنتيجة صفر ..

تقع على لساني مباشرة الآية:
“وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا” الفرقان, الآية 23

هباء منثورا. .
هباء .. منثورا ..

يا الله!  يقشعر الجسد..
أبعد الحياة ولربما طول العمر .. نحشر إليك مفلسين لا شيء لا شيء!

“أتدرون ما المفلِسُ ؟ قالوا : المفلِسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ . فقال : إنَّ المفلسَمن أمَّتي ، يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مالَ هذا ، وسفك دمَ هذا ، وضرب هذا . فيُعطَى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه . فإن فَنِيَتْ حسناتُه ، قبل أن يقضيَ ما عليه ، أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه . ثمَّ طُرِح في النَّارِ” رواه مسلم

ختام:
إياك أن يشغلك مستقبلك الدنيوي عن الأخروي

نعم ولكن لا !

في علم الإلكترونيات قاعدة ثابتة هي أن الآلة الرقمية في وضعها الطبيعي لا تنفذ إلا أمرا واحدا في الزمن الواحد، فهي تقوم بعمليات متتابعة خطوة بخطوة، أمر يتبعه أمر، ولا تزامن في تنفيذ أمرين، وإن ما نراه من التزامن على الحقيقة في عرض النواتج ما هو إلا خدعة بصرية نتيجة السرعة الفائقة، وهذا في معالج الواحد.

والأجهزة ككل تتعامل مع لغة واحدة ليس فيها إلا خيارين هما واحد أو صفر..تشغيل أو إيقاف، وككلمة أقرب للواقع “نعم” أو “لا”. فإذا كنت تعمل على تصنيع آلة رقمية، فأنك ستكون بحاجة إلى اختراع شفرة معقدة مستخدما الـ “نعم” و “لا” حتى تخرج بالنهاية بالناتج الذي تريد.
فإذا أردت أن تقول نعم وكانت عندك شروط معينة واستثناءات فإنك بحاجة إلى أن تقول لا ولا ولا ولا مرارات وتكرارا قبل أو بعد أن تقول نعم.

وفي العالم الرقمي لا تستقيم الحيادية، أو أن تفّهم الآلة بشكل مباشر أن هذا القرار قد يكون صائبا أو قد لا يكون، ولا تستطيع أن تعطيها حرية الاختيار أو استحداث أمر جديد غير مبرمج بناء على تغيير الأحوال، لا تستطيع أيضا أن تخبرها بعملية واحدة أنه يمكن أن يكون وبشكل منطقي هذا الجواب يحتمل كل الخيارين.

ومقارنة بدماغك البشري، فأنك ستندهش من بديع صنع الله فيه وستحمده مرارا وتكرار أن وهبك عقلا قادرا على الاستيعاب بذاته (بل بفتح الله عليه)، وتلقي المتغيرات، واستحداث قرارات جديدة من غير تلقين. فعقولنا البشرية، فوق “النعم” و”لا” لديها “لكن” و”لأن” و”أيضا” وأكثر من ذلك.. فنحن نستطيع أن نستوعب بلا تعقيد أن هذا الأمر سليم ولكن فيه شروط، أو أنه غير صحيح بسبب كذا وكذا، أو أن هذا بالإضافة إلى ذلك كلاهما صحيح. أو أن نترك الأمر مفتوحا ونقول فيه سعة، وما زال التفكير فيه مفتوحا والبحث جاريا.

وهذا التباين الكبير جدا بين الدماغ الآلي والدماغ البشري يورثنا أهمية احترام النعمة، واستخدام إمكانياتها بالوجه المطلوب، فالعجب من فئات من الناس لم تحترم أن لديها هذا العقل الخارق فقصرت حياتها بين الـ “نعم” والـ “لا” فتسمعها عندما تقرأ كلمة “لا” تولول و عند “النعم” تبلبل.

ولك في عين الفتاوى وتعامل الناس معها أحد الأمثلة..

فلان أفتى بـ لا!
فئة قالت: ويله متشدد متغطرس لا نأخذ منه بعد اليوم.
وأخرى قالت: قال فلان لا، يعني لا، يعني الـ “لا” على العموم ، فمن يخالف هو مخالف..
وما قرأوا ما أدلى فلان من شرح وفيه الأدلة ولا فهموا ما كان يقصد وما قرأوا ما أدلى من استثناءات وربما تبيان أن هذه الفتوى لحالة فردية.

فلان أفتى بـ نعم،
فئة قالت: متبع الهوى، تباً ليس أهلا للفتوى.
وفئة قالت: هيا تعال واحتفل فلان قال نعم، ليس لأحد أن يكلمنا بعد اليوم.
وما قرأوا ما أدلى من شروط ووجوه وربما ما يعكس الفتوى.

سأل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها، فقيل له: إنك تخالف أباك.
قال: إن أبي لم يقل الذي تقولون، إنما قال: “أفردوا العمرة من الحج”. فجعلتموها أنتم حراما وعاقبتم عليها وقد أحلها الله عز وجل وعمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أكثروا عليه قال: أفكتاب الله أحق أن يتبع أم عمر؟ (1)
وكان مراد عمر من قوله: “أفردوا العمرة من الحج” أن لا يعرى بيت الله عن العمرة في يوم من أيام السنة، فإن الناس كانوا إذا خرجوا إلى الحج يعتمرون مع الحج وهي المتعة، وبعد ذلك لا يأتون إلى بيت الله.

ومن الأمثلة التي تعصف بنا أن نقول فلان مرتكب معصية، ففي نظرنا أن فلان رجل سيء حتى لو أن لديه من الحسنات ولم تكن المعصية كبيرة، وقد عُلّمنا أن الحب في الله والبغض في الله، فإن كان في الله لأحببناه لطاعته ولأبغضناه بمقدار معصيته.

ومن الأمثلة، فلان أخطأ فهو لا يصيب بتاتا، ولو كان حتى أدلى في مجال غير المجال الذي أخطأ فيه، وحتى لو كان ذلك بعد عشرين سنة، فهل فلان لا يفقه شيئا على الإطلاق وهل فلان لا يتغير؟

ومن الأمثلة، في طلب العلم أوالعمل عندما يقول لك المعلم أوالمدير “لا” (لأن ولأن ولأن)، وثم لا تكون (لأن ولأن ولأن) منطبقة في الوقت الراهن فهنا المجال للاجتهاد، والقضية قضية الفهم.

ومن الأمثلة، أن كون فلان ضمن فئة معينة من الناس يعني أنه لا يمكن أن يكون مع غيرهم. وعلى قول القائل: “من لم تكن معي فهو ضدي”
والحقيقة أنه يستقيم أن يكون المرء مع من لا يشاركه الرأي، وإلا فما معنى الأخوة في الدين؟ وإلا فهل من الدين التحزب والتعصب؟

عن ابن عباس أن عمر قال لناس من قريش: “بلغني أنكم تتخذون مجالس لا يجلس اثنان معا حتى يقال من صحابة فلان من جلساء فلان حتى تحوميت المجالس وايم الله إن هذا لسريع في دينكم سريع في شرفكم سريع في ذات بينكم ولكأني بمن يأتي بعدكم يقول هذا رأي فلان قد قسموا الإسلام أقساما أفيضوا مجالسكم بينكم وتجالسوا معا فإنه أدوم لألفتكم وأهيب لكم في الناس” (2)

ومن الأمثلة، القوانين الوضعية التي لا تحترم فروقا ولا أحوالا ولا أعرافا. فالسارق عندهم جزاؤه كذا ولو سرق بسبب المجاعة.

إننا بحاجة إلى أن نفكر كـ بشر، ونرى الآخرين بشر، ونفتح مصابيح الفكر، فما عاد نوم العقول مقبولا ..

ـــ

(1) سنن البيهقي وقال الألباني في مقدمة صفة الصلاة (رجاله ثقات)
(2) تاريخ الطبري

جرب أن تبصر بعيونهم، حتما سينقشع عنك غطاء..

بين يدي كتاب حقبة من التاريخ لعثمان الخميس تعلمت أن آراء البشر تختلف تبعا للمنصب أو المسؤولية التي هم فيها تجاه الأمور، وبالمعنى فإن وجهات النظر هي فعلا وجهات للنظر تعتمد على الزاوية التي منها سيبصر الإنسان..

علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما تولى الخلافة كان يرى المصلحة في تأجيل إقامة الحد على قتلة عثمان، بينما معاوية رضي الله عنه كان يرى خلاف ذلك ولم يدرك معاوية ما حمل علي على رأيه إلا بعد أن تولى الحكم وصار في الموقف الذي كان عليه علي..

كثيرا ما نسمع في مجالس النساء على وجه الخصوص “لماذا عملت فلانة كذا؟، أنا لو مكانها كنت عملت كذا”.. ونحن لا ندري بالظروف التي أحاطت فلانة ولا أولوياتها ولا تجاربها.. وكثيرا ما يحصل أن نسلك نفس مسلكها لما نقع في نفس الظرف..

اختلاف وجهات النظر ليس بالشيء المستنكر.. ولكن ما يستنكره ويستكرهه القلب قبل العقل أن يجعلنا هذا الاختلاف نقرر أننا أصحاب الرأي السديد ونذيع على ألستنا أسماء المخالفين استنكارا وازدراء أو أن يصل بنا الحال إلى سد الطريق عليهم..

جرب أن تبصر بعيونهم، ضع نفسك مكانهم، اسمع منهم، ادرس أسبابهم.. حتما سينقشع عنك غطاء..
تفكر في زوايا تفكيرهم، راجع أفكارك، ادرس الوضع جيدا.. قد تندم على حالك..
وثم إياك.. وإياك.. وإياك.. أن تكون بياع الكلام، ماهر في الهدم..قليل التنفيذ ومتخاذل في العمل..
تنكر على أهل الأفعال إنجازهم وأنت يوما ما خطوت الخطى، ولا حققت إنجازهم..

لا تطلب من الناس أن يكونوا مثاليين في عينك، منضبطين وفق ضوابط تؤمن بها وأنت غير متيقن من أنك ستكون منضبط بها في مثل ظروفهم.. لا تدع المثالية يا صاح وتقول أستطيع.. تذكر أن الحياة أخذ وعطاء، شد ولين.. وأمور خارجة عن السيطرة..
احفظ لسانك عنهم حتى لا تكثر سقطاتك.. ثم تحاول التسلق على حساب الدين والقيم والمبادئ من أجل تبرير مواقفك..

زمن آخر نكتة

يلج العم لتوه إلى المنزل فيستقبله ابن أخيه بشوق عميق، العم يتيه فخرا بهذا الحب الذي لا يدري من أين هبط، فما يمكث إلا وينقلب وجهه لمّا يبدأ الطفل الحديث: “عمي عمي قل لي نكتة!”، هنا يدرك العم أنه مقتحم دوامة تدعى (التوهق)، فيجري عمليات التنقيب وربما التصنيع محاولا الخروج بنكتة نظيفة، لا يكون تعليق ابن أخيه عليها: “قديييمة” فيكون في ذلك العم المتخلف، أو “بايخة” فلا يشعر العم بنفسه وهو يرفع نعاله، أو أن لا يفهمها الطفل وتعال وأعيدها مليون مرة..

في وسط الدار على مائدة الحديث يجتمع الأفراد، ويصرخ فيهم أحدهم: “سمعتوا آخر نكتة؟”، يسكت المجلس، يصغي الجميع بترقب، شوق، حماس، هيا أحكي ما لديك، ومن ثم تتعالى الضحكات ونادرا في مثل هذه المواقف أن تكون ردت الفعل سلبية، كيف وقد صرخ الأخ  بكل ثقة (فهو قد هالحركة وقدود) وحتى لو كان أحد الحاضرين لم يفهم النكتة أو استقدمها فإنه حتما سيضحك مع الضاحكين..

يرن هاتف نوكيا بنغمته المألوفة، رسالة نصية وصلت إلى أحدهم فيقهقه، تأكله من حوله العيون، فضول مشتعل، ولسان الحال قائلا: (بتقول اللي ضحكك ولا كيف؟) فيقرأها عليهم كضريبة ليسقي تلك المسامع المتعطشة ليسمع صدى ضحكاتهم أو تعليقاتهم الساخرة.

 يجلس على كرسيه في الزاوية ممسكا صحيفة اليوم يقرأ فيها ذات الخبر الذي وصله على جواله سالفا “اشترك  معنا تصلك آخر النكت، حصرية وغير مسبوقة” ولا يتعجب من تبنى هذا الإعلان من قبل إحدى شركات الاتصال، ولا يتعجب أيضا من رقم المشتركين الذي بالمئات أو ربما الآلاف، لأنه يدرك بطبيعة الحال أن من الناس من يشتري ضحكاته بماله، وربما هو أحدهم!

عاد الفتى لتوه من الدكان ممسكا مجلة ماجد، وتترجاه أخته أن يمنحها فرصة لقرائتها، يتخطى كل الصفحات وصولا إلى صفحة الأصدقاء الظرفاء وعلى أنه متأكد ومتيقن كل اليقين من سماجة تلك النكت وتكررها حتى أنه حفظها عن ظهر قلب إلا أنه لم يتوقف عن قراءتها كاملة أملا بالوقوع على شيء جديد..وما أن انتهى ناولها أخته التي فتحت على الحكايا المصورة لعلها تجد الكوميديا في طياتها..

وفي مكتبة البيت مكثت مجموعة من أعداد مجلة مساء -ومن يعرف مجلة الأسرة يعرفها- تلك المجلة التي توجد فيها البسمات النقية، والضحكات القوية من المواقف الواقية حتى أن دموع العين -لا أقول تكاد- بل تنزل بسببها، ولا عجب على الإطلاق أن لا يصرح أصحاب هذه المواقف من أسمائهم إلا أولى الحروف، ولا يذكرون من عناوينهم إلا اسم المنطقة التي يغلب أن يكون من أرجاء اليمن فإن لم يفعوا ذلك ربما انتهى مستقبلهم ..

وأسفل الرف مجموعة كتب، قد حملت أسماء تدعوك للابتسام، ابتسم، اضحك مع البنات، مع الأولاد، مع الأطفال، وجملة من الكتب الساخرة

وعلى التلفاز برنامج الفتاوى، يتصل أحدهم: ألو يا شيخ النكت حرام ولا حلال؟

وتلك كانت  صور اقتبستها من الماضي الذي ربما البعض منا ما زال يعيشه، ولكني بصدق أقول:

هو ما زلنا نستخدم مصطلح “نكتة” ؟

وهل ما زلنا متلهفين لمساعها كما الأول، كأننا إن وقعنا على إحداها تناقلناها بحماس كمن وقع على كنز..؟
وهل نحن الآن حريصين على المصادر التي تجمع هذه النكت؟

كلا لم نصبح أكثر كآبة، ولكن حياتنا كلها دون أن نشعر صارت “نكتة”

فأنت لا تكاد تقضي ساعة إلا وقد وصلتك آخر نكتة على جوالك من إحدى وسيلتي التواصل، البلاك بيري، أو الواتس أب..
ثم إياك وإياك أن تنقلها إلى رفيقك، تحت مسمى “آخر نكتة” لأنه بطبيعة الحال سيقول لك وصلتني قبلك، أو عندي ما هو الأجدد..
وخاصة لو كان هذا الرفيق من أهل البلاك بيري وأنت الأخ الواتس آبي الفقير المسكين المتخلف ..
ثم إنك تعلم أن خلال الدقيقة القادمة ستنتج نكتة جديدة من مصنع لا تدري أين محله، وستصلك في وقت مبكر جدا متوافقة مع أحد الأحداث الجديدة، كفصل دراسي جديد مع توديع الإجازة، أو حول دبي وإنجازها .. أو في جلد مجتمعك أو انتقاد ظاهرة منه..

ثم إنك ستنتقل إلى تويتر، فتفتح على إحدى الوسوم، وترى فيها مزيج من القصص الواقعية والتناقضات العجيبة، ولربما الخرافات الكبيرة، و”الناس المدرعمة” والأفكار التي لا تدري كيف تخطر على ذهن أحدهم فتضحك من هول الصدمة ..

هذا وأقول، أيام شحذ النكت ولت، وزمن مصطلح آخر نكته أدبر ..
ودامت على شفاهكم البسمة =)

لماذا نحتفظ بالذكريات؟

لم يخطر في بالي أن أسأل نفسي هذا السؤال، وبالأحرى فإني قد اقتنعت منذ فترة ليست بطويلة أن لا فائدة ترجى من وراء ذلك..

لقد أدركت أني كنت على خطأ فادح، لمّا أجتاحني الفراغ الذي من المفترض أن لا يكون له وجود، فهو ذلك الشعور الذي يخبرك أن عندك شيء مهم لتفعله لكنك نسيت ما هو! شعور البحث عن المفقود..

وصدفةً بدأت أعود إلى بعض الصور والنصوص القديمة، أقلبها، أعيد قراءتها، أتأملها،
ياه .. لقد نسيت من أكون أنا! لقد نسيت شعاري التي أسعى للظهور به، أهدافي كبيرة المعالم، وكيف كنت أسعى لتطوير ذاتي..

ولقد اتخذت عزما أن أعود..

وأول ما بدأت به هو أن أتفقد حالي مع القراءة، وكم أصبح حضورها ضيقا في حياتي..
بدأت هنا أتأمل ما على الرفوف من كتب، وغيرها مما احتل مكانا خارج المكتبة أملا بأن يجد شيئا من الاهتمام.. لكنه لم يجد..
بدأت مع أول كتاب، كم كنت متشوقةً له سابقا، بيد أنه بداية لم يستهويني على الإطلاق، وتعجبت من إعجابي السابق بمؤلفه..
لقد تغيرت اهتماماتي كثيرا، رغم هذا أكملت القراءة، وبدأ يثير إعجابي، ربما هنا لأنني بدأت أستعيد معه الذكريات، ربما لأنني تذكرت مقصدي من اقتنائه، وما أسعى للخروج به بعد القراءة..
قرأت منه حتى اكتفيت وحوّلت إلى كتاب آخر..

وهنا تذكرت كيف أنني كنت سابقا لا أحب قراءة أكثر من كتاب في نفس الوقت، الآن أصبحت أرى هذا قمة المتعة، وكأني آخذ من كل بستان زهرة،

لقد أحببت هذا الكتاب الثاني الذي تحولت إليه، وكم تساءلت أين أنا عنه منذ زمن.. سنة، سنتان ربما، وهو على المكتب لم أفكر يوما بفتحه.
قرأت منه جزئا غير يسير ثم أغلقت لأنتقل إلى بستان آخر..

وكان هذا الكتاب الأخير ليس من نطاق اهتمامتي، ولم أقرأه إلا كقراءة سريعة، وهو في الأصل لهذا الغرض، فكأن الكتب سفر إلى عوالم أخرى، وهذا الكتاب مجرد مصيف..
كنت أقرأه كمن يصيد الكلمات، وتلك الكلمات هيجت في داخلي شيئا ما، أغلقته سريعا وأخذت أبحث عن دفتر لي مفقود، كنت متأكدة من أني وضعته بين الكتب..
لم أجده، لكني وجدت في المقابل أشياء قديمة أخرى من قبيله.. لكنها ليست هي المطلوبة..
وجدت من الدفاتر ما تخص الدراسة، الأصدقاء، مذكرات، دفاتر ملاحظات، كلها تستحق أن أعود إليها، ولكن ليس الآن، ثمة شيء يجب أن يكون في متناول يدي هذه اللحظة..
وضعت بعضها جانبا لأعود إليها في وقت آخر، وانتهى بي المطاف أن أبحث عنه في درج عند سريري حيث المفترض أن أضع الأشياء التي أحرص أن تكون أمام ناظري، فإذا به هو هنالك، غير أني غفلت عنه طويلا..

وكنت قد سجلت على هذا الدفتر أهم الأهداف، أهدافي التي سأنفذها على مدى قريب وأخرى على مدى بعيد، وأفكار ومشاريع بعضها قد رأت النور وبعضها لم تره..
أمسكت القلم، وترددت برهة في استخدامه، فهذا الدفتر أصبح من الآثار عندي الآن، والآثار لا يُعبث بها..
بدأت أعدل على ما تم تدوينه، أضع علامة الإنجاز أمام هذا، وأشطب على ذلك بعد أن ألغيت فكرة تنفيذه.. وكان أغلب ما دون أفكار، أفكار ملغاه ..
في مثل هذه الحالة كان من المفترض أن أشعر بالإحباط، غير أني دمي أصبح باردا جدا..

قلبت الصفحة، فإذا بي أرى تفاصيلا أكثر، خطط لتحقيق الأهداف، مهام للإنجاز، وملاحظات، وذكريات.. يااه متى كان كل هذا؟
عجزت أن أتذكر الأسماء التي دونتها، والتواريخ، والمناسبات..
وسرني أن ما تم تدوينه في هذه الصفحة قد تم تنفيذه، عكس ما دون في الصفحة التي قبلها، وهذه جرعة تفاؤلية يجب أن تعتبر..

أغلقت الدفتر لأعيد فتحه ولكن من آخره حيث لا شيء عدا الصفحات البيضاء، وبدأت أدون على صفحة منه هذه التدوينة بخط متعجرف وكلمات سريعة غير منظمة فقط لأني أحببت أن يأتي يوم أفتح فيه هذه الصفحة عن طريق الصدفة فتكون الحكاية كما هي اليوم وأجمل!